إثيوبيا تدشن سد النهضة .. بين فخر وطني ورسائل مطمئنة ومخاوف مصرية وسودانية

254
منظر عام لسدّ النهضة الإثيوبي الكبير قبيل حفل تدشينه الرسمي اليوم 9 سبتمبر:أيلول 2025 (الفرنسية)

وكالات – بلو نيوز الإخبارية

في لحظة وصفتها الحكومة الإثيوبية بـ”التاريخية”، دشّن رئيس الوزراء آبي أحمد، اليوم الثلاثاء، رسميًا سد النهضة الإثيوبي الكبير، أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، بتكلفة تجاوزت 5 مليارات دولار، وسط أجواء احتفالية حملت رسائل وطنية موجهة للداخل، ورسائل طمأنة للجوار الذي ينظر بعين القلق إلى تداعيات المشروع على أمنه المائي.

مشروع سيادي في قلب الطموحات التنموية

يمثل سد النهضة حجر الزاوية في مشروع إثيوبيا الطموح للتحول الاقتصادي وتوفير الطاقة لـ120 مليون مواطن، حيث أكد آبي أحمد خلال التدشين أن “السد إنجاز عظيم ليس فقط لإثيوبيا، بل لكل الأفارقة”، مشيرًا إلى أن بلاده أنجزت المشروع بمواردها الذاتية، عبر تمويل 91% من البنك المركزي و9% من المواطنين عبر السندات والتبرعات.

وأضاف أحمد: “سد النهضة لا يستهدف أحدًا، بل صُمم من أجل المجتمعات السوداء، ولن يؤثر على تنمية دول الجوار”، مؤكدًا أن الطاقة المنتجة ستُستخدم لسد احتياجات الإثيوبيين وتصدير الفائض إلى المنطقة.

أعضاء فرقة عسكرية إثيوبية يؤدّون عرضا موسيقيا أمام سدّ النهضة خلال حفل تدشينه الرسمي اليوم (الفرنسية)

إجماع داخلي رغم النزاعات

يُعد السد، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، مصدر اعتزاز وإجماع نادر في بلد أنهكته النزاعات، من حرب تيغراي التي أودت بحياة أكثر من 600 ألف شخص وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، إلى القتال المتواصل في إقليمي أوروميا وأمهرة. ورغم هذه التحديات، بقي المشروع رمزًا للوحدة الوطنية ومشروعًا سياديًا تمسكت به إثيوبيا منذ وضع حجر أساسه في 2011.

مصر: تهديد وجودي

لكن خلف المشهد الاحتفالي، تعمّق الخلاف مع مصر، التي ترى في السد تهديدًا وجوديًا قد يقلّص حصتها من مياه النيل التي توفر لها 90% من احتياجاتها المائية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، تميم خلف، إن القاهرة تتابع التطورات “عن كثب”، وستمارس حقها في “اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة للدفاع عن مصالح الشعب المصري”.

مصر استندت منذ البداية إلى اتفاقيات مياه تعود للحقبة الاستعمارية، مؤكدة أن المشروع يفتقر إلى اتفاق قانوني ملزم حول الملء والتشغيل، فيما حظي موقفها بدعم سياسي دولي في فترات متقطعة، أبرزها خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

أديس أبابا كانت أعلنت في فبراير/شباط الماضي بدء إنتاج الكهرباء من سد النهضة (الأناضول)

السودان بين القلق والفرص

أما السودان، فموقفه ظل متأرجحًا بين القلق من تهديدات محتملة لحصته المائية، والأمل في الاستفادة من السد عبر تنظيم تدفقات المياه وتوفير كهرباء رخيصة. إلا أن الانقسامات السياسية والأمنية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، جعلت ملف السد يتراجع إلى خلفية الأولويات الوطنية.

أبعاد جيوسياسية متشابكة

يرى مراقبون أن سد النهضة تجاوز كونه مشروعًا إنمائيًا ليصبح أداة في لعبة جيوسياسية معقدة. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة، تبحث عن منفذ بحري عبر إريتريا أو الصومال، في وقت تدعم فيه مصر خصوم أديس أبابا الإقليميين، ما يهدد بتصاعد التوتر. ويقول الباحث مات برايدن إن “فكرة أن تتحكم مصر في مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر معًا، أمر غير مقبول لإثيوبيا”.

سد النهضة أكبر مشروع كهرومائي بأفريقيا يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر وارتفاعه 145 مترا، ويخزن 74 مليار متر مكعب من المياه (رويترز)

فرصة مشتركة أم تهديد دائم؟

آبي أحمد حاول مرارًا نزع فتيل المخاوف، مؤكدًا أن السد “فرصة مشتركة” ستجلب التنمية لجميع دول المنطقة. وتشير أبحاث مستقلة إلى أن سياسة الملء الحذرة منذ 2020، ووفرة الأمطار، قللتا من أي اضطراب كبير في تدفق المياه إلى مصر والسودان حتى الآن.

لكن خبراء يرون أن غياب اتفاق قانوني ملزم يُبقي باب التوتر مفتوحًا، ويجعل من السد ملفًا ساخنًا يهدد الاستقرار الإقليمي لسنوات قادمة.

رئيس الوزراء الإثيوبي دعا مصر والسودان إلى حضور احتفالات افتتاح سد النهضة (رويترز)

بين الأمل والتحديات

غمرت بحيرة السد مساحة تفوق مساحة لندن الكبرى، ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تزويد ملايين الإثيوبيين بالكهرباء، رغم أن نصف سكان الريف لا يزالون خارج الشبكة الوطنية. وبينما ترى أديس أبابا في السد رمزًا للسيادة والنهضة، تتعامل القاهرة والخرطوم معه كمصدر تهديد وجودي أو فرصة محفوفة بالمخاطر.

خاتمة:

سد النهضة بات واقعًا، لكنه واقعٌ مشحون بالجدل والاصطفافات. وبينما تصفه إثيوبيا بأنه مشروع للنهضة الإفريقية، تراه مصر معركة حياة أو موت. أما السودان، العالق في أزماته الداخلية، فيقف على حافة المفاضلة بين القلق والمكاسب. في كل الأحوال، يظل السد واحدًا من أعقد الملفات التي ستحدد مستقبل العلاقات في حوض النيل، وقد يظل لعقود مقبلة سيفًا معلقًا على استقرار المنطقة.

 

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com