اتهامات “التعاون” تثير جدلاً واسعاً في السودان وسط غياب الأسس القانونية

168
قضاء السودان

وكالات – بلو نيوز الاخبارية

في ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية في السودان، تتزايد الاتهامات الموجهة إلى مواطنين وناشطين تحت مسمى “التعاون”، وهي تهمة يرى خبراء أنها تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين والمعارضين للحرب، دون سند قانوني واضح. وقد أفضت هذه الاتهامات إلى تنفيذ أحكام بالإعدام واحتجازات مطولة، فضلاً عن ممارسات وصفت بأنها تنتهك الحقوق الأساسية للمتهمين.

في إحدى قرى ولاية الجزيرة، اقتحم أفراد من تشكيل أمني يُعرف باسم “الخلية الأمنية” منزل أحد المواطنين في ساعة متأخرة من الليل، واقتادوه إلى جهة غير معلومة، وسط ذهول أفراد أسرته الذين علموا لاحقاً أن سبب الاعتقال هو الاشتباه في تعاونه مع قوات الدعم السريع. ورغم عدم تقديمه إلى محاكمة، أُفرج عنه بعد أكثر من أسبوع من الاحتجاز، عقب تدخل بعض معارفه في القوات المسلحة، دون أن يُعرف سبب الاتهام، علماً بأنه فقد أحد أقاربه في ظروف احتجاز مشابهة لدى قوات الدعم السريع.

وفي حادثة أخرى، نُقل أحد المحتجزين إلى مقر تابع للخلية الأمنية وهو في حالة صحية حرجة، بعد تعرضه لضرب مبرح باستخدام أدوات حادة، بينما كان ثلاثة من عناصر الأمن يثبتونه أرضاً خلال ما يُعرف محلياً بـ”جلسة الصباح”، وهي ممارسة تعذيب تسبق التحقيقات. وقد وُضع في زنزانة ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات النظافة، يتشاركها مع أكثر من خمسين محتجزاً، ويُسمح لهم باستخدام مراحيض بلا أبواب لفترة محدودة صباحاً، فيما يُجبرون على استخدام أوعية بديلة خلال بقية اليوم، ما أدى إلى انتشار الحشرات بينهم وغياب أي إمكانية للاستحمام أو تغيير الملابس.

خلال التحقيق، تعرض المحتجز للإهانة اللفظية والشتائم التي طالت أسرته ومعتقداته، إلى جانب اتهامات تتعلق بتمويل قوات الدعم السريع والتعاون مع جهات خارجية. وقد أثارت هذه الاتهامات استغراب القاضي الذي نظر في القضية، خاصة بعد أن تبين أن المتهم لا يملك سوى مطعم صغير وسيارة متواضعة، ما يتناقض مع الادعاءات الموجهة إليه. ورغم إسقاط تهمة التعاون، لا يزال يواجه اتهاماً آخر يتعلق بتقويض النظام الدستوري.

في واقعة منفصلة، ظهرت سيدة مسنة تُدعى مريم يعقوب في تسجيل مصور وهي تتعرض للإهانة والضرب من قبل عناصر مسلحة داخل منزلها، على خلفية اتهامها بتقديم الماء لعناصر من قوات الدعم السريع. ولم تُعرض قضيتها على المحكمة، لكن انتشار الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي دفع السلطات إلى إصدار تسجيل آخر يظهر فيه أنها بخير، في محاولة لتهدئة الرأي العام.

وتواجه نساء أخريات تهماً مشابهة، من بينهن خادم الله موسى عبد الغني المعروفة باسم “يواء”، التي أُدينت بالإعدام رغم نشاطها في توفير المياه لسكان حي المزاد بمدينة بحري. وقد كشفت في تسجيلات صوتية عن تعرضها لحملة ممنهجة من قبل أفراد اتهمتهم بالضلوع في جرائم سرقة، حيث قاموا بتلفيق التهم والشهادات ضدها حتى صدور الحكم.

الخبير القانوني المعز حضرة أكد أن هذه الاتهامات لا تستند إلى نصوص قانونية واضحة، مشيراً إلى أن القانون الجنائي السوداني لا يتضمن مادة تُعرف باسم “التعاون”، وأن ما يجري هو تحوير لبعض النصوص لمحاكمة ناشطي ثورة ديسمبر وكل من يعارض الحرب. وأوضح أن هذه البلاغات تُستخدم كأداة سياسية، مستشهداً بقضايا طالت رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وعدداً من قيادات تحالف قوى الحرية والتغيير.

وتتم معظم هذه الاعتقالات عبر تشكيل يُعرف باسم “الخلية الأمنية”، الذي لم يكن له وجود قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل، ويستخدم مقرات قديمة كمراكز احتجاز، منها منازل ومدارس ومبانٍ حكومية. ويصف حضرة هذا التشكيل بأنه جسم غير قانوني، يقوده أفراد كانوا ينتمون سابقاً إلى الأمن الطلابي أو الشرطة، ويؤكد أنهم يعترفون بتلفيق التهم وتقديمها للقضاء، ما يُعد إهانة للمنظومة القضائية، ويستوجب محاسبتهم وفقاً للقانون الجنائي السوداني.

وفي الوقت الذي يُلاحق فيه مواطنون بتهمة التعاون، تُعاد شخصيات عسكرية وسياسية كانت على صلة بقوات الدعم السريع إلى المشهد العام، مثل إبراهيم بقال الذي شغل منصب والي الخرطوم، وقائد ميداني يُعرف بـ”السافنا”. كما انضم القائد أبو عاقلة كيكل إلى الجيش في أكتوبر 2024، بعد أن كان مكلفاً من قبل قائد الدعم السريع بإدارة ولاية الجزيرة خلال فترة سيطرة القوات على المنطقة.

رئيس دائرة الإعلام بحزب الأمة القومي مصباح أحمد يرى أن هذه التعيينات تُظهر أن تهمة التعاون تُستخدم حصرياً ضد الخصوم السياسيين، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء الحزب واجهوا أحكاماً قاسية، من بينهم محمد دينق الذي أُدين بالإعدام، والصادق يعقوب الذي حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، وابنه الذي قضى عاماً من حكم عشرين عاماً قبل أن يُبرأ. كما أشار إلى حالة أحد أعضاء الحزب في ولاية النيل الأزرق الذي خُفف حكمه من الإعدام إلى عشرين عاماً قبل أن يُبرأ لاحقاً.

وأضاف أن شقيقه، وهو معلم وإمام مسجد، محتجز منذ أسبوعين في ولاية الخرطوم على خلفية بلاغ وصفه بالكيدي، رغم عدم انخراطه في العمل السياسي. وأكد أن هذه الاتهامات منتشرة في مناطق سيطرة الجيش، وتُستخدم من قبل عناصر المؤتمر الوطني لاستهداف القوى المدنية، خاصة شباب لجان المقاومة وغرف الطوارئ، مشيراً إلى أن المعتقلين يُحتجزون دون عرضهم على النيابة، ويتعرضون للتعذيب والإخفاء القسري، ما يُعد مؤشراً على غياب القانون ويؤثر على جهود التعافي الوطني.

ويعتبر بعض المتهمين أنفسهم محظوظين إذا ما قُدموا إلى محاكمات، رغم افتقارها لمعايير العدالة، مقارنة بآخرين يُواجهون مصيراً مجهولاً على يد جهات تتولى دور الخصم والحكم في آن واحد. ومن بين هؤلاء رئيس حزب الأمة بمحلية أم روابة الطيب عبيد الله، الذي فارق الحياة في يوم سيطرة الجيش على المدينة، عقب ظهوره في تسجيل مصور ينتقد فيه استهداف المدنيين ويطالب بتوجيه السلاح نحو قوات الدعم السريع.

كما شهدت ولاية الجزيرة حوادث عنف طالت مواطنين من دارفور يقيمون في الكنابي منذ سنوات طويلة، حيث وُصفوا بأنهم حواضن لقوات الدعم السريع، دون أن يُمنحوا فرصة للدفاع عن أنفسهم أو المثول أمام القضاء. وأعرب حضرة عن أسفه لهذه المحاكمات التي وصفها بأنها مُعدة سلفاً، مشيراً إلى أن بعض المواطنين لم يتمكنوا من مغادرة مناطق سيطرة الدعم السريع بسبب ظروفهم الاقتصادية، واضطروا للاعتماد على المساعدات الغذائية بعد انسحاب الجيش منها.

وفي أغسطس 2023، شكّل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لجنة للتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، ووفقاً لتقارير صحفية، سجلت اللجنة أكثر من 15 ألف بلاغ ضد متهمين بالتعاون مع تلك القوات. وقد صدرت أحكام بالإعدام بحق العشرات، منها أكثر من خمسين حكماً في يوليو الماضي وحده، في مناطق مختلفة تخضع لسيطرة الجيش.

ولا تبدو فرص الاستئناف واعدة بالنسبة لهؤلاء المحكومين، خاصة بعد تعيين وهبي أحمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية، وهو المنصب الذي شغله سابقاً خلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير. ويُبدي حضرة تحفظه على هذا التعيين، مشيراً إلى أن القاضي سبق أن أجاز عدم إلزام القضاة بإعلان شهود الدفاع، واصفاً قراره بأنه يُضعف من ضمانات المحاكمة العادلة.

ويواجه المحامون الذين يتولون الدفاع عن المتهمين صعوبات كبيرة، تشمل التهديدات التي تطالهم وتطال شهودهم، وقد تعرضت إحدى المحاميات في شمال السودان للاعتداء من جهة مجهولة، قبل أن تُترك في العراء. كما أشار حضرة إلى واقعة احتجاز زميله القانوني منتصر عبد الله، الذي كُلّف بالدفاع عن رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، حيث تم توقيفه من قبل الخلية الأمنية أثناء محاولته الحصول على تفاصيل القضية من النيابة.

 

نقلا عن صحيفة التغيير

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com