الخوف يطوق سوق الذهب بأم درمان .. اختطاف ونهب وسط صمت الأجهزة الأمنية
“أم درمان تنزف أمنًا واقتصادًا، في مدينة لطالما عرفت بالهدوء والعراقة، أصبح الخوف سيد المشهد، التجار يختطفون، المحلات تنهب، والسلاح يحكم الشوارع، بينما الدولة تلوذ بالصمت .. إضراب تجار الذهب ليس مجرد احتجاج، بل صرخة أخيرة في وجه الفوضى .. في أم درمان .. الذهب ينهب، والتجار يختطفون، والدولة تراقب بصمت!”
تقرير خاص – بلو نيوز
أغلق أصحاب محلات الذهب والمجوهرات في سوق أم درمان أبواب متاجرهم، ودخلوا في إضراب مفتوح احتجاجاً على تصاعد وتيرة الانفلات الأمني والجرائم المسلحة التي استهدفتهم بشكل مباشر، كان آخرها حادثة اختطاف ونهب تاجر ذهب بارز في المدينة، في واقعة وصفت بالأخطر منذ اندلاع الأزمات الأمنية الأخيرة والانفلات الأمني الذي تشهده أمدرمان اليوم.
ووفقا لشهود ومصادر محلية، فإن مجموعة مسلحة قامت باقتحام منزل أحد أبرز تجار الذهب في أم درمان، واختطفته تحت تهديد السلاح، قبل أن تقوم بنهب كميات كبيرة من الذهب كانت بحوزته، ثم رمته لاحقًا في منطقة نائية غرب الحارات، وهو في حالة يرثى لها.
جرائم نوعية ترهب التجار
المواطن (م ع) أكد في حديثه لـ”بلو نيوز”، أن الجريمة التي تعرض لها التاجر المختطف تمثل تطورا خطيرًا في طبيعة الجرائم المنظمة التي أصبحت تضرب المدينة، قائلاً: “هذه الجريمة غريبة على مدينة أم درمان، لم نشهد من قبل اقتحاماً مسلحاً لمنازل التجار بهذا الشكل الوحشي، والأمر تجاوز حدود السرقات وأصبح إرهاباً ممنهجاً”.
من جانبه، كشف أحد المواطنين، ويدعى (ع.ه)، أن ابن خاله عمر محمد عمر، وهو صائغ ذهب، تعرض للنهب أمام محله الكائن بشارع الوادي، حيث هاجمه مسلحون مجهولون وسرقوا منه كامل محتويات متجره من الذهب، في وضح النهار، دون أن تحرك السلطات ساكنا.
اتهامات مباشرة للحركات المسلحة
في مشهد بات يتكرر بشكل مقلق، أكد عدد من المواطنين أن الجرائم التي تشهدها أم درمان هذه الأيام تنفذها عناصر تحت تاثير السُكر (العرقي) والمخدرات (الحشيش) من القوة المشتركة التابعة لبعض الحركات المسلحة القادمة من دارفور، وتحديدا مجموعات محسوبة على حركات “مناوي” و”جبريل” و”طمبور”، بالإضافة إلى بعض المستنفرين الذين يتحركون بحرية وبسلاح ثقيل في الأحياء والأسواق، ما يجعل حياة المدنيين عرضة للخطر بشكل يومي.
وأكد شهود عيان أن هذه العصابات تنفذ عمليات النهب والاختطاف أمام أعين قوات الجيش وجهاز المخابرات العامة، دون تدخل يذكر، وهو ما أثار موجة غضب واستياء واسعة وسط المواطنين.
في جولة ميدانية لـ”بلو نيوز”، تحدث عدد من المواطنين والمواطنات عن حالة الرعب التي يعيشونها، وسط غياب شبه كامل للسلطات الأمنية.
تقول المواطنة (سعاد ع)، وهي ربة منزل تقطن حي “الثورات”: “لم نعد نعرف من نحتمي به، أصوات الرصاص ليلاً، والمسلحون في الشوارع نهارًا، حتى تجار الذهب اللي هم من أعمدة السوق أصبحوا أهدافًا مباشرة، نحن في كابوس حقيقي”.
ويضيف عبدالرحمن السر، صاحب متجر للملبوسات بجوار سوق الذهب: “أقفلنا محلاتنا أكثر من مرة خلال هذا الشهر بسبب الحوادث، والوضع خرج عن السيطرة، ولا نرى أي وجود حقيقي للدولة في الشارع حتى قوات الأمن تتفرج!”.
أما (عواطف م)، موظفة وأم لثلاثة أطفال، فعبرت عن قلقها على مستقبل المدينة قائلة: “لو وصل الحال أن يتم اختطاف تاجر من بيته، فماذا تبقى من الأمان؟ الخوف ليس فقط من السرقة، بل من حياة بلا قانون، وأطفالنا مرعوبون ونحن كذلك”.
تجار يتحدثون: “نحن مستهدفون بشكل مباشر”
قال أحد تجار الذهب فضل حجب اسمه لأسباب أمنية، إن الوضع لم يعد يحتمل، وأضاف: “نحن مستهدفون كمصدر رزق ومصدر ذهب، والمسلحون لا يخشون شيئًا، يدخلون بالسلاح وينهبون كل شيء في دقائق، وما حدث لزميلنا المختطف رسالة لنا جميعًا بأن القادم أسوأ”.
تجمع أبناء العاصمة الوطنية: ما يحدث “جرس إنذار خطير”
وفي تطور لافت، أصدر تجمع أبناء العاصمة الوطنية أم درمان بيانًا شديد اللهجة، أدان فيه الحادثة التي وصفها بأنها “صادمة وغير مسبوقة”، ودعا فيه السلطات الأمنية في ولاية الخرطوم إلى التحرك العاجل، وفرض هيبة الدولة قبل انهيار الأوضاع بالكامل.
وجاء في البيان الذي تلقته “بلو نيوز”: “إن دخول العصابات المسلحة إلى منازل المواطنين واستهداف التجار بهذا الشكل المنظم، يمثل جرس إنذار حقيقي، ويؤكد أن المدينة على حافة الانهيار الأمني، في ظل عجز السلطات وصمتها المخيف”.
مطالب عاجلة وتحذيرات من انفجار اقتصادي وأمني
أكد التجمع في بيانه دعمه الكامل للإضراب الذي نفذه أصحاب محلات الذهب، واعتبره خطوة احتجاجية مشروعة في وجه الفوضى الأمنية. كما طالب بـ:
1. توفير حماية عاجلة للتجار والمواطنين، لا سيما في الأسواق والأحياء الطرفية.
2. جمع السلاح فورًا من أيدي الجماعات المسلحة والمتفلتين.
3. فتح تحقيق شفاف حول الحوادث الأخيرة، ومحاسبة المتورطين فيها.
4. تحميل السلطات المسؤولية المباشرة عما يحدث من تدهور أمني متسارع.
ثقة المواطن على المحك
إن تزايد حوادث النهب والاختطاف، واستهداف أصحاب المحلات والأسواق، بات يهدد ليس فقط الأمان الشخصي للأهالي، بل أيضا شريان الاقتصاد المحلي الذي تمثله تجارة الذهب في أم درمان، والتي طالما كانت مصدرًا حيويًا للاستقرار المالي والاجتماعي في العاصمة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع، في ظل غياب الدولة وتراخي أجهزتها الأمنية، قد يدفع بالمزيد من التجار إلى إغلاق محلاتهم، والنزوح إلى مناطق أكثر أمنًا، ما ينذر بفراغ اقتصادي خطير في المدينة، يصعب تعويضه مستقبلاً.
وسط كل هذه التطورات يظل سوق الذهب في أم درمان مغلقًا، في مشهد يعكس عمق الأزمة الأمنية والانهيار الوشيك للنظام العام في واحدة من أكبر مدن السودان، والخوف لا يهدد فقط أرزاق الناس، بل بات يهدد النسيج الاجتماعي بأكمله في ظل صمت رسمي لا يفسر إلا كعجز أو تواطؤ مع المجرمين.
