بدين عبدالله ديان: تشيف في نيالا .. و تطعن في أدوات الذكاء الاصطناعي

249
بدين عبدالله

بدين عبدالله ديان
[email protected]

العالم كلّه، وبالعين المجرّدة، كان شاهداً على حدث فارق في تاريخ السودان المعاصر، حين احتضنت مدينة نيالا في إقليم دارفور مراسم القسم الدستوري لحكومة تحالف السلام – تأسيس، لتكون أول حكومة في تاريخ البلاد تؤدي الولاء علناً لشعوب الهامش المقهورة والمهمّشة منذ عقود. لقد حمل هذا القسم بُشرى ميلاد وطنٍ جديد يتطهّر من أمراض الماضي، وينهض على أساس العدالة والمساواة، ويؤسس لحكومة خدمات حقيقية تُعلي مصلحة المواطنين قبل مصالح النخب الضيقة.

ميلاد السودان الجديد

إن انطلاقة “تأسيس” لم تكن مجرد قرار فوقي، بل ثمرة تراكم ثوري طويل، ونتاج دماء وتضحيات متواصلة لشعوب الهامش التي ناضلت عقوداً من الزمن. جاءت هذه اللحظة التاريخية كتجسيد لإرادة المقاومة الشعبية، التي قادتها القوى المتحالفة في “تأسيس”، معلنةً ميلاد سودان جديد بدستور علماني، يُشيَّد على أنقاض السودان القديم: دولة الاستبداد الديني، والفشل التنموي، والعنصرية، والحروب التي فرّقت بين أبناء الوطن الواحد.

القسم الدستوري في نيالا

في مشهدٍ سجّله التاريخ، وأمام رئيس القضاء في السودان الجديد، مولانا رمضان إبراهيم شميله، أدى الفريق أول محمد حمدان دقلو القسم الدستوري يوم 30 أغسطس 2025 رئيساً للمجلس الرئاسي لجمهورية السودان. وفي اليوم نفسه، أعلن القائد الثوري الكبير عبدالعزيز آدم الحلو قسمه نائباً لرئيس المجلس الرئاسي، في احتفال رسمي بمدنية نيالا، تم وفق القانون الانتقالي لسنة 2025، وسط حضور جماهيري عريض وبثّ مباشر عبر القنوات العالمية.

وشهد العالم كذلك ميلاد المجلس الرئاسي المكوّن من 15 عضواً، ضمّ حكام الأقاليم ضمن تحالف تأسيس السودان الجديد، في خطوة تهدف لإرساء نظام حكم لا مركزي وفيدرالي يقوم على مستويات متدرجة: رئاسي، وإقليمي، ومحلي. وبموجب الدستور الانتقالي الجديد، أُلغي كل ما سبق من قوانين وقرارات ومراسيم مرتبطة بالسودان القديم، ليُلقى ذلك التاريخ المظلم في مزبلة النسيان.

مهام الحكومة الانتقالية

حدد الدستور الانتقالي لعام 2025 مهاماً محورية لحكومة السلام الانتقالية، من بينها:

إنهاء الحروب التي غذّاها حكم العسكر والدولة الدينية.

إرساء السلام العادل والمستدام في كل أنحاء البلاد.

بناء دولة مدنية حديثة قائمة على المساواة والعدالة.

تقديم الخدمات الأساسية والتنمية المتوازنة لكل المواطنين

ورغم وضوح الحقائق، حاولت حكومة العسكر في بورسودان – وهي بقايا السودان القديم – أن تشوّه المشهد عبر أدوات التضليل. رفضت الاعتراف بالواقع، واتجهت لاختراع الأوهام، زاعمة أن ما حدث في نيالا مجرد “خداع بصري” أنتجه الذكاء الاصطناعي، وأن الرئيس الجديد ليس سوى “روبوت كهربائي”، وأن مقاطع الفيديو ما هي إلا “ديب فايك” مزيف.

لقد استهانت هذه الحكومة بعقول الشعوب، وظنّت أن الطعن في مصداقية الحدث وربطه بالذكاء الاصطناعي ظنا أنهم قد يربكون الرأي العام ويضعف إرادة الجماهير. بل أساءت للتكنولوجيا نفسها، إذ استخدمتها كوسيلة للتحكم والتشويه، بدلاً من أن تكون أداةً للتطوير والمعرفة.

اتهمت السلطة الشمولية حكومة تأسيس بأنها استعانت بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور وفيديوهات مزيفة، وحاولت أن تزرع الشكوك حول أصوات القادة وصورهم. لكنها فشلت، لأن ما شاهده الناس في نيالا كان حقيقة واقعية نقلتها الشاشات مباشرة، وتلمّسها المواطنون بأنفسهم حين جاب الرئيس ونائبه أسواق المدينة وسط الجماهير.

مأزق السودان القديم

تكشف هذه الحملة الإعلامية المضللة مأزق السودان القديم؛ فهي سلطة فقدت شرعيتها الشعبية والأخلاقية، ولم يعد لديها سوى الكذب والدجل كسلاح. أرادت تحويل الصراع من مواجهة سياسية حقيقية إلى جدل تكنولوجي عقيم، لكنها وقعت في فخّها، فأصبحت موضع سخرية، إذ انكشف تضليلها على الملأ.

نحو تحرير شامل

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد العقلية الشمولية التي تحاول تجهيل الشعوب وسرقة إرادتها. ولذا، فإن تحرير السودان من قبضة هذه المجموعة الشمولية الإرهابية المضللة بات واجباً تاريخياً، حتى ترفرف رايات: الوحدة، الحرية، السلام، العدالة، والمساواة.

خاتمة

لقد بدأ قطار التغيير ولن يعود إلى الوراء. إن مسيرة التحرير ماضية قُدُماً، كحدّ السيف البتّار، تصنعها إرادة الشعب السوداني الذي قرر أن يستعيد سيادته على أرضه وثرواته، ويُكمل مشروع التغيير الجذري والشامل. لا الطعن في الذكاء الاصطناعي، ولا الأكاذيب، ولا التضليل، قادر على إيقاف إرادة الشعوب الساعية لبناء وطنٍ جديد، حُرّ، عادل، ومزدهر.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com