بدين عبدالله ديان: ضحك البرهان وبكاء أبي أحمد!!
بدين عبدالله ديان
يضحك عبد الفتاح البرهان بينما يغرق السودان في حرب عامها الثالث، حرب لم تبقِ ولم تذر. حرب ابتدأت بضربة طيران على مصانع وكباري وجسور ومصفاة نفط، كأنها رسالة أن الخراب هو الإنجاز الوحيد الممكن. وفي المقابل، يبكي آبي أحمد عند افتتاح سد النهضة، سد كلفته أقل بمليارين من سد مروي البائس، ولكنه ابتلعه ابتلاعاً وكشف خواءه وفضح عبث من شادوه.
فماذا قدّم البرهان لشعبه؟ حرب في أسبوعها الأول دمّرت المصانع والطائرات والجسور، وأعادت السودان إلى الوراء عقوداً. وماذا قدّم أبي أحمد؟ مشروعاً قومياً صارت به إثيوبيا في واجهة العالم، حتى وإن كان مثيراً للجدل إقليمياً.
الطيران الذي كان يفترض أن يحمي سماء السودان، تحوّل إلى مطرقة فوق رؤوس أهله. تعليمات تأتيه من “لايفاتية” ومن يقفون خلف استمرار الحرب، وكأن الخراب رسالة في ذاته. ألم يدرك هؤلاء أن ما يُهدم سيحتاج إلى بناء؟ وأن عقولهم المهووسة بالتدمير لا تصلح للبناء؟
في كل حروب الدنيا، نادراً ما يُستهدف الجسور والبنى التحتية، لأن الجيش يحتاج إليها قبل غيره، يمر عبرها ويحميها. وحدها هذه الحرب جعلت السودانيين في حيرة: من يقصف مصانعهم وكباريهم ومصافيهم؟ ولمصلحة من؟
والمشهد الأوضح كان عند مصفاة الجيلي: ما إن تحولت إلى ركام، حتى كان أسطول من البواخر جاهزاً لتوريد الوقود. هل حقاً يُعقل أن تُقارن قيمة ما دُمِّر بثمن بضعة شحنات من الوقود المستورد؟ إنها ذات العقلية التي أنفقت ستة مليارات دولار على سد مروي لتخرج بمشروع مشوه، ثم جاء سد النهضة بأقل كلفة وأكبر جدوى ليبتلع كل أوهامهم.
ويا للمفارقة، الكباري التي قُصفت لم تُبنَ من جديد، بل تُركت لتُرقَّع بترقيع بائس على أيدي المصريين أنفسهم، وكأن البلد لا يستحق إلا إصلاحاً مؤقتاً لمواضع الخراب. مصر التي شاركت في القصف عادت لترقّع شروخه، وكأنها تقول لنا: “نقصفكم بالأمس، ونُجمل آثار قصفنا اليوم.” أهذا شَرك؟ أهذا إخاء؟ أم استخفاف ما بعده استخفاف؟
نُشكرهم إن أردنا، لكن بأي وجه؟ وهل الشكر يليق بترقيع بلد كُسرت كبرياؤه؟ لهم الشكر، ولنا الخجل. لأن اليد التي تدمر لا تعمر، ومن جُعل شوكة في خاصرة وطنه فلن يُنتزع إلا بالخلع من جذوره.
وعندما نلتفت حولنا، نجد أن الوطنية ليست حكراً على العسكر. زيلينسكي، الممثل السابق، قاد أوكرانيا في حرب ضروس وهو ليس عسكرياً ولا يرتدي “الميري”، لكنه حمل وطنه على كتفيه بإرادة صلبة وحب لا يلين. أبي أحمد، شاب مدني، عبر ببلاده نحو مشاريع كبرى برغم العواصف. فالوطنية ليست رُتبة على الكتف، بل موقف في لحظة مصير.
أما نحن، فنظل نضحك بمرارة. نضحك من قيادة ترى في الخراب مشروعاً، وفي الدم إنجازاً، وفي القصف “انتصاراً”. ونبكي على وطن صار ملعباً لغيره، تُدمر بنيته بأيادٍ داخلية وخارجية، ويُرقع جراحه برقع لا تسد شيئاً.
لكن شعوب الأرض تعلمت درسها: لن يمتطي أحداً ظهرك ما لم تنحنِ.
