تحقيق دولي يكشف استخدام الجيش لـ”غاز الكلور”
متابعات – بلو نيوز الاخبارية
وفقًا لتقرير فريق المراقبة في فرانس 24، فقد استُخدم غاز الكلور في قصف مصفاة الجيلي النفطية ومحيطها شمال الخرطوم، أثناء محاولة الجيش السوداني استعادة المنطقة من قوات الدعم السريع. وأكد خمسة خبراء مستقلين أن الأدلة المتوفرة تتطابق مع نمط الإسقاط الجوي لبراميل الكلور، مشيرين إلى أن الجيش هو الجهة الوحيدة التي تمتلك طائرات قادرة على تنفيذ مثل هذه الضربات.
وأضاف التحقيق أن الفريق تمكن من تتبع أحد البراميل الكيميائية المستخدمة، وتبين أنه مستورد من الهند عبر شركة سودانية مخصصة لتزويد الجيش بالإمدادات، وأن الغرض من الاستيراد كان “معالجة مياه الشرب”، وهو ما يثير تساؤلات حول تحويل المواد المدنية إلى أدوات قتل.
انتهاك خطير للقانون الدولي
وصف خبراء القانون الدولي الهجمات بأنها انتهاك صارخ لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي صادقت عليها الخرطوم عام 1999، كما يُعد استخدامها “جريمة حرب” بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة السودانية لم ترد رسميًا على طلبات فرانس 24 لإجراء مقابلات حول المزاعم، ما زاد من حجم الشكوك حول شفافية الموقف الرسمي.
قلق حقوقي ودعوة لتحقيق شفاف
من جانبها، أعربت منظمة هيومن رايتس ووتش عن قلقها البالغ حيال ما ورد في التحقيق، مؤكدة أن استخدام الكلور كسلاح “محظور تمامًا بموجب القانون الدولي”.
وقالت إيدا سوير، مديرة قسم الأزمات في المنظمة، إن التقرير يُعد “أول دليل علني يدعم المزاعم الأمريكية السابقة بشأن استخدام الجيش السوداني للغازات السامة”، داعية إلى تحقيق دولي مستقل بإشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وأكدت المنظمة أن تحليل الصور ومقاطع الفيديو أظهر سحبًا صفراء مائلة إلى الخضرة مميزة لغاز الكلور، وتم تحديد مواقعها في قاعدة قري العسكرية ومصفاة الجيلي، وهي نتائج طابقت ما توصل إليه فريق فرانس 24 بشكل مستقل.
رد الجيش: لجنة فنية وتحقيق وطني
وفي أول رد رسمي، أعلن السفير إدريس إسماعيل، رئيس اللجنة الوطنية المعنية بالتحقيق في المزاعم الأمريكية، أن السودان بدأ تحقيقًا داخليًا موسعًا حول القضية، نافيًا وجود أي إنكار أو تقاعس في التعاون مع المنظمات الدولية.
وأشار إسماعيل خلال جلسة المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي إلى أن السودان ملتزم “بتطبيق الاتفاقية كاملةً”، متهماً تشاد بـ“تغذية الصراع عبر دعم المليشيات المسلحة وتهريب السلاح عبر الحدود”.
كما أعلن الوفد السوداني أن مجلس السيادة الانتقالي أصدر القرار رقم (2025/139)، القاضي بتشكيل لجنة فنية متخصصة تضم ممثلين من جهاز حظر الأسلحة الكيميائية وخبراء في الطب العدلي والأدلة الجنائية، للتحقيق في المزاعم الموجهة.
قراءة تحليلية: لجنة لتجميل الصورة؟
يرى الدكتور عبد الناصر علي الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن تشكيل اللجنة الفنية لا يُخفي حقيقة الأزمة، لكنه يمثل “محاولة لتجميل صورة الحكومة أمام المجتمع الدولي”.
وقال في حديثه لراديو دبنقا إن “الحرب الدائرة في السودان هي حرب بلا أخلاق”، مشيرًا إلى أن “غياب الشفافية وطمس الأدلة يهددان بإفلات المسؤولين من العقاب”.
وأضاف أن “استنزاف الوقت يؤدي إلى ضياع المؤشرات العلمية التي يمكن أن تثبت استخدام الأسلحة الكيميائية”، مؤكداً أن غياب مؤسسات مستقلة للتحقيق يجعل من الإعلام الدولي المصدر الأساسي للمعلومة في ظل تعتيم حكومي واسع.
العدالة الغائبة والضحية الدائمة
وشدد الفكي على أن “المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة لهذه الحرب”، حيث يعيش الملايين في أوضاع إنسانية كارثية، بين النزوح والجوع والمرض.
ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وإجراء تحقيق شامل في كل الانتهاكات، بما فيها استخدام الأسلحة المحظورة، مشيراً إلى أن استمرار الحرب “يهدد مستقبل الأجيال القادمة ويترك ندوبًا عميقة في الوعي الجمعي”.
كما اتهم بعض القوى الكبرى باستخدام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية “كأداة ضغط سياسي” لتحقيق مصالحها، مستشهداً بتجارب العراق وسوريا وغزة، حيث تجاهلت المنظمة انتهاكات إسرائيل المتكررة.
بين الشكوك والمساءلة
تتزايد التساؤلات حول مدى حياد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في ظل ضغوط جيوسياسية متصاعدة وتضارب المصالح بين القوى الكبرى. ومع ذلك، يؤكد محللون أن القضية السودانية قد تتحول إلى اختبار جديد لمصداقية النظام الدولي في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة.
