تقارير: إيران في السودان – شحنات غامضة تهبط في مطار بورتسودان .. وملامح جبهة جديدة على البحر الأحمر
في الظل، وعلى مدرجات مطار بورتسودان، تهبط طائرات لا تقل مسافرين ولا تحمل حقائب، ويقول بعض من رأوا المشهد إنّها تحمل شيئًا أثقل من البشر. شحنات من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، ورسائل مكتوبة بلغة النفوذ والدم، وبين الرمال الحارقة وساحل البحر الأحمر المتوتر، تمتد خيوط صراع جديد يتجاوز حدود السودان. فإيران التي تبحث عن منفذ على البحر الأحمر، وجدت في بورتسودان بوابة مضطربة وفي البرهان حليفًا مضطرًا، بينما تحول السودان المنهك بالحرب إلى نقطة تماس بين الطموح الإيراني والخوف العربي. هكذا، لا تبدو طهران مجرد لاعب بعيد، بل شريكا صامتا في الحرب السودانية، يمد خيوطه من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن شواطئ اليمن إلى بورتسودان، والسؤال الآن: هل أصبح السودان آخر محطات المشروع الإيراني، أم أول قواعده على البحر الأحمر؟
متابعات – بلو نيوز الاخبارية
عقوبات أميركية تكشف ما وراء الستار
في 12 سبتمبر 2025، أعلنت واشنطن فرض عقوبات على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم و”كتيبة البراء بن مالك”.
قرار أعاد تسليط الضوء على العلاقات المتنامية بين إيران ومجلس السيادة بقيادة عبد الفتاح البرهان، وأثار تساؤلات حول حجم الدور الإيراني في الحرب السودانية.
فبعد قطيعة استمرت ثماني سنوات، استأنفت الخرطوم وطهران علاقاتهما الدبلوماسية في أكتوبر 2023.
منذ ذلك الوقت، بدأت شحنات السلاح تتدفق عبر مطار بورتسودان، في وقت كانت فيه إيران تبحث عن منفذ جديد على البحر الأحمر بعد تعثر مفاوضاتها النووية مع واشنطن.
تحالف الضرورة: البرهان يبحث عن الدعم وطهران عن موطئ قدم
استئناف العلاقات مع طهران منح البرهان طوق نجاة عسكريًا وسياسيًا. أما بالنسبة لإيران، فكانت الخطوة فرصة نادرة لترسيخ وجودها على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وبوابة نحو إفريقيا الغنية بالموارد والمواقع الاستراتيجية.
تؤكد مصادر يمنية أن إيران أرسلت أسرابًا من طائرات “هاجر” المسيّرة وصواريخ مضادة للدروع إلى السودان في أكتوبر 2024، ما ساهم في دعم الجيش ضد قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
من بورتسودان إلى الحوثيين .. خيط يربط الحربين
لا ينفصل التمدد الإيراني في السودان عن نفوذها المتزايد لدى جماعة الحوثي في اليمن. ففي سبتمبر 2025، شن الحوثيون هجمات على سفينتين قرب ميناء ينبع السعودي، بقدرات وصفها المراقبون بأنها “نوعية وغير مسبوقة”.
يقول فهد الشرفي، مستشار وزير الإعلام اليمني: إيران دخلت على خط الحرب السودانية بعد اتهام البرهان بعض الدول العربية بدعم حميدتي، وبدأت ترسل دفعات من السلاح والخبراء.
ويضيف أن السودان أصبح بمثابة امتداد لوجستي للحوثيين لتخزين الذخائر وفتح مسارات للتهريب عبر القرن الإفريقي، ما يمنح إيران نفوذًا إضافيًا على مضيق باب المندب والملاحة الدولية.
جذور قديمة .. من قاعدة الحرس الثوري إلى التحالف العابر
ففي التسعينيات، فتح عمر البشير الأبواب أمام الحرس الثوري الإيراني رغم تحذيرات عربية، واستقبل سفنًا حربية إيرانية في بورتسودان عام 2011، وسهّل مرور أسلحة إلى حركة “حماس”.
لكن مع تصاعد العقوبات والعزلة، غيّر السودان بوصلته نحو الخليج، وشارك عام 2015 في التحالف العسكري الذي قادته السعودية في اليمن ضد الحوثيين، قبل أن يقطع علاقاته مع طهران عام 2016. غير أن سقوط نظام البشير، وتوقيع اتفاق المصالحة السعودي الإيراني في 2023، وفّرا لطهران فرصة جديدة للعودة وهذه المرة من بوابة الحرب الداخلية في السودان.
النفوذ الإيراني .. بين الطموح والاصطدام بالواقع
رغم التمدد الواضح، يواجه النفوذ الإيراني عقبات حقيقية في السودان.
يقول العميد اليمني ثابت حسين صالح إن “الهدف الإيراني هو خلق بؤرة جديدة في البحر الأحمر، لكن المقاومة الداخلية والرفض الإقليمي سيحولان دون ذلك”.
أما المحلل السعودي فيصل الشمري، فيحذر من أن “التغلغل الإيراني يعزز شبكات التهريب ويضعف سلطة الدولة”، مؤكدًا أن “وجود الحوثيين في الساحل السوداني يمنحهم امتدادًا لوجستيًا خطيرًا لكنه هشّ”.
إيران تراهن على الانقسام الداخلي السوداني، لكنها تصطدم بواقع هشّ لا يسمح ببناء قواعد نفوذ طويلة الأمد.
البحر الأحمر .. الجبهة الأخطر في الصراع
منذ 2023، أصبح البحر الأحمر ساحة مواجهة مفتوحة.
تصاعدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية والعسكرية، قبل أن يتوعدوا شركات غربية كبرى مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون”.
واشنطن ردّت بتعزيز وجودها البحري، بينما كثّفت إسرائيل ضرباتها ضد منشآت حوثية في الحديدة وصنعاء. ومع تزايد المؤشرات على تورط السودان كمحطة دعم إيرانية، باتت احتمالات المواجهة تتسع جغرافيًا نحو السواحل السودانية.
بين النفوذ والعبء .. حسابات معقدة لطهران
بالنسبة لإيران، السودان ورقة ضغط إقليمية على السعودية ومصر وإسرائيل، ووسيلة لمدّ نفوذها نحو إفريقيا. أما بالنسبة للحوثيين، فهو منطقة تخزين وتموين آمنة نسبيًا، ولكن هذه الورقة محفوفة بالمخاطر:
الانقسام السياسي في السودان، والحساسية الدولية تجاه البحر الأحمر، والتوجس العربي من عودة النفوذ الإيراني كلها عوامل قد تجعل طهران تدفع ثمنًا باهظًا لأي تمدد غير محسوب.
كما يقول الشمري: قد يتحول المشهد السوداني غير المستقر إلى عبء على الحوثيين وإيران أكثر من كونه مكسبًا.”
السودان .. من ساحة حرب إلى عقدة نفوذ
السودان اليوم ليس مجرد بلد غارق في الفوضى. إنه عقدة جديدة في شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من اليمن إلى لبنان، ولكن السؤال الأهم يبقى: هل سيسمح الإقليم والعالم لإيران بتحويله إلى قاعدة دائمة؟ أم أن هشاشة الداخل السوداني ستبتلع هذا المشروع قبل أن يكتمل؟، والطائرات التي تهبط في مطار بورتسودان قد لا تحمل مسافرين، لكنها تحمل بلا شك ملامح صراع أكبر يتجاوز حدود السودان.
