خالد إسماعيل: خارج المكان .. مشاهدات من مناطق سيطرة تحالف السودان التأسيسي

172
تاسيس

خالد إسماعيل

الناظر إلى الصورة التي رسمتها الآلة الإعلامية للفلول والحركة الإسلامية لمناطق سيطرة قوات الدعم السريع تحت عنوان تحالف السودان التأسيسي، يخيل له أن المواطنين هناك مسجونين في “كونتينرات”، ترتكب في حقهم الجرائم صباح مساء.
ولعله الانطباع العام حالياً عند كثير ممن يقيمون خارج تلك المناطق، سواءً داخل البلاد أو خارجها، وهو ما لا يمت للحقيقة بصلة، إن شئت أن تأخذ الحديث من فم زائر قضى شهرين كاملين في تلك المناطق، يحدث بما رأى وسمع دون زيادة أو نقصان.

الحياة هنا عادية الأسواق مفتوحة والسلع متوفرة. طلاب المرحلة الإبتدائية يذهبون للمدارس. والمشافي والعيادات الخاصة تعمل على مدار الساعة، ويتواصل الناس في الأفراح والأتراح. الأطفال يلعبون في العصريات، فيما تذخر ميادين الأندية الرياضية بالنشاط. فضلاً عن زخم متواصل في اللقاءات والأنشطة الترفيهية رغم الحرب.

ما لن تقوله لك الغرف العنصرية الإعلامية، هو أن السلع متوفرة في الأسواق بأسعار تنافسية، حيث يبلغ سعر جوال الدخن بسعر 120 ألفاً جنية والذرة 80 ألفاً وهي متوفرة وفي متناول اليد للكثير من الناس رغم عسر حالة البعض، ويبلغ سعر الخروف 130 ألفاً وذكر الماعز بين 30 إلى 80 ألفاً، من التاجر للمستهلك مباشرة دون ضرائب ولا إتاوات حكومية.

لن يحدثك أرباب خطاب الكراهية عن توفر المنتجات الزراعية في الأسواق بدءً من الخضروات الطازجة مثل “البامية والخضرة والبصل الأخضر والفجل والطماطم”، قادمة من ضواحي “جبل مرة” وبحر العرب، و”الدوانكي” الصيفية، والتي توسعت في أنشطتها الزراعية مؤخراً، بعد أن كان نشاطها محصوراً في سقاية الماشية.

في الأسواق البرتقال “أبوصرة” وارد جبل مرة ونيرتتي بمتوسط سعر 8 ألف جنية للدستة، وهناك الجوافة والليمون وغيرها من الفواكة، كما تجد منقة “الردوم” و”السرج” و”راجا”، ووارد متعدد من مناطق أخرى بأسعار معقولة. وفي السوق تجد “جركانات” عسل النحل الأصلي وارد “كبم” و”راجا” و”جبل مرة”. بل هل تصدق أن “كلبس” تنتج موزاً “طاعماً” حلو المذاق يضاهي موز فيتنام ويوغندا؟ وهل تعلم ان بصل “زالنجي” يكفي الأسواق المحلية ويصدر منه للخارج؟
وعلى تلك المناطق تتدفق البضائع والسلع والمنتجات أيضاً من دول جنوب السودان وأفريقيا الوسطي وتشاد وليبيا وغيرها. كل أنواع السلع متوفرة ولا مكان للندرة، ومع غياب الضرائب والمكوس والجمارك والإتاوات التي كانت تفرضها سلطة الحركة الإسلامية، باتت الأسعار معقولة للغاية ،وسط وفرة متنامية.
وتعود ذات الشاحنات التي تأتي بالبضائع، محملة بالفول والصمغ العربي والمحاصيل الأخرى، فضلاً عن الماشية التي بدأت تجد طلباً مستمراً ومتزايداً عليها من دول الجوار.
وتسيطر قوات الدعم السريع على مساحات شاسعة من البلاد، مكتظة بالسكان وغنية بالموارد، لا يعكر صفو الناس فيها سوى الجيش المتحالف مع الحركة الإسلامية حين يفرغ حمولة طائراته من الحمم والقنابل الحارقة على أولئك السكان في نجوعهم وبواديهم الهادئة، بدافع من حقد وحسد بالغين.

قلت الصراعات القبلية التي كانت سمة سائدة في عهد الحركة الإسلامية حتى كادت أن تتوقف تماماً رغم انتشار السلاح، وكان لغياب استخبارات الجيش عن تلك المناطق أثره الواضح على الجانب الأمني فيها، كونها كانت تحيك المؤامرات، وتشعل الصراعات بين المكونات الإثنية.

تحررت تلك المناطق من تسلط الاستخبارات، واتحدت المكونات الاجتماعية لخوض معركة وجودها المصيري والتي فرضها عليهم جنرالات الجيش، في تطرف تصاعدت معه الأصوات المنادية بإبادة تلك المكونات الاجتماعية وفقاً لمفهوم “الحواضن” والذي ابتدعته الحركة الإسلامية كمبرر لجرائمها ضد المدنيين.

التف عدد كبير من السودانيين حول قوات الدعم السريع، وثورة الهامش التي سلكت طريق التحرير وصولاً للحرية والعدالة ولوطن جديد، يقطع الصلات مع الماضي اللئيم.
ولربما كان تأثر سكان تلك المناطق بالحرب هو الأقل، قياساً ببقية مناطق السودان، لضعف ارتباط الناس بالدولة، كون معظمهم لا يعملون كموظفين، بل يتجهون للعمل في الزراعة والرعي والتجارة، وهم لا ينتظرون شيئاً من مؤسسة الدولة الرسمية فيما يتعلق بالخدمات، إذ يعتمدون في تعليمهم وعلاجهم على أنفسهم.

الوقود والأسمنت متوفران في تلك المناطق وأعمال البناء مستمرة الناس هناك يزرعون ويعتنون بالماشية. يرتادون الأسواق ويشاهدون سباقات الخيول في الميادين.

تم قطع شبكات الاتصال في دارفور وكردفان حال اندلاع الحرب، كعقاب جماعي للمواطنين، لكن سرعان ما انتشرت أجهزة الاتصال اللاسلكي “أستارلنك”، وبأسعار معقولة فصارت الخدمة متوفرة على مدار الساعة. وتطورت نسخ صغيرة الحجم تستجيب لمرونة العمل الطاقة خسرت شركات الاتصال التي كانت مملوكة للأمن الشعبي بعد فقدها ملايين المشتركين، الذين كانوا ينفقون سخاء على تلك الشركات ورغم ردأة الخدمة.

وتوسعت تبعاً لظروف الحرب واستهداف تلك المناطق، أنشطة الطاقة الشمسية في المدن والقرى والبوادي حيث أصبحت حلاً مناسباً لمشاكل الطاقة، ويعتمد عليها في تشغيل الثلاجات والمكيفات والمراوح وكافة الأنشطة المنزلية. بل أن معظم محطات المياه والمساجد والمدارس اعتمدت عليها بشكل كامل، وهي طاقة تعتمد على التكلفة الثابتة فقط، وليس لها تكاليف تشغيلية.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com