دكتور الوليد مادبو: من انكسار الوجدان إلى خراب الأوطان: حقبة الإسلاميين نموذجًا!!

191
وليد مادبو

دكتور الوليد آدم مادبو

يقول النفّري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.” ولعل هذه الكلمة هي مفتاح محنتنا الثقافية والفكرية الراهنة: القلب العربي ــ والسوداني بوجه أخص ــ كان يومًا فسيحًا يتسع للمجاز كما يتسع للمعنى، وللغزل كما يتسع للمديح، وللإنسان كما يتسع للرحمن. ثم جاءت الأيديولوجيا الدينية ــ في صورتها الحديثة ــ فأدخلت هذا القلب في قفص حديدي، ففقد الوجدان قدرته على التنفس، وأصاب الثقافة ما أصابها من جفاف وقسوة وتردٍ لا يخفى (اللوحة أعلاه للفنان نور الهادي).

ولذلك فإن رد دكتور الوليد أحمد عدلان أبو سن علي مقالي “محكمة الضمير: مرافعة في حضرة المجاز” ينفذ إلى لبّ الأزمة: الحرية الأدبية لا تكفيها قوة الاستعارة التاريخية ولا ثراء التراث الشعري، بل تحتاج قبل ذلك إلى وعي جمعي يرفع النص فوق المحاكم ويترك الأفق مفتوحًا أمام الخيال. غير أنني أضيف بأن هذه الحرية لم تكن غريبة عن وجداننا، بل كانت أصيلة فيه، حتى جاء “الاستعمار المزدوج” — الخارجي بقوة الحديد والنار، والداخلي بأدوات الأرثوذكسية الدينية — ليغتالها.

لقد كان الوجدان السوداني حتى زمن قريب وجدانًا سليمًا، قادرًا على التوفيق بين الحب الإنساني والوجد الإلهي دون حرج أو تناقض. ومن أجمل شواهد ذلك قصيدة الشيخ عبد الله ود يونس، حيث يتصاعد الغزل الرقيق حتى يبلغ ذروة المديح.

لقد طرق الشجون علي ليلاً

فأرقني وأضرم نار وجدي

وأذكر ظبيةً كالبان قدًّا

لها قمران في صفحات خدِّ

وَلَكِنْ هَاجَنِي شَوْقٌ وَوَجْدٌ

إِلَى رَبِّ الْكَمَالِ رَفِيعِ مَجْدِ

مُحَمَّدِ مَنْ عَلاَ شَرَفاً وَفَخْراً

رَسُولِ اللهِ هَادِي الْمُسْتَبِدِّ

 

هنا لا نجد تناقضًا بين عشق “الظبية” والشوق إلى “رب الكمال”، بل نرى وجدانًا موصولًا، يرى في الجمال الأرضي انعكاسًا للجمال السماوي. وهذا ما وعاه الغزالي حين قال: “المحبة ميل إلى ما يوافق المحبوب، وكل جمال في العالم أثر من جمال الحق.” بيد أن بعض العارفين يقول: أن الشيخ لا يتكلم هنا عن عشق الظبية إنما يتكلم عن المعرفة الالهية والتى كانوا يرمزون لها بليلى او سعاد (يا ليلى ليلك جنّ معشوقك أوّه وأنّ أم مرحي فوق جبلنا أصلو الإكسير معدنا).

إن غناء الحقيبة لم يولد من فراغ، بل جاء امتدادًا طبيعيًا للمديح النبوي، فالأصل فيه هو النغم الموروث من المديح. فقد عاش حاج الماحي في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وسبقه النقر إلى مديح منغّم وملحّن بأربعة قرون، الأمر الذي مهّد الطريق لتحول المديح من مجرد إلقاء إلى صياغة لحنية لها جرسها الخاص. وفي هذا السياق كتب العبادي رائعته: “ببكي وبنوح وبصيح لي الشوفتن بتريح”، التي كانت أحد الجسور بين الأداء الجماعي التقليدي وبدايات الغناء الفردي في الحقيبة.

ومع مطلع تسعينيات القرن التاسع عشر تبلورت الحقيبة كفنّ قائم بذاته، لكنها ظلت في جوهرها تدور في فلك المديح. فقد جارى ود الرضي هذا الإرث بقوله: “احرموني ولا تحرموني… سنة الإسلام السلام”، وهو صدى مباشر لمدحة محمد ود حاج الماحي الشهيرة: “يا حبيبي أحمد طبيبي… يا حَسِين الخُلق الجميل.” ومن هنا نشأت مبادلة لافتة: الغناء استلهم المديح، ثم جارى المادحون الغناء، في حوار متواصل بين الروح والطرب، يعكس في جوهره وحدة الوجدان السوداني الذي لم يعرف انفصامًا بين الروحي والدنيوي، بل جمع بين المحبة الإلهية والمحبة الإنسانية في انسجام متناغم.

لكن ماذا جرى بعد ذلك؟ جاء “السلفيون المحدثون” ــ كما أسميهم، أعني بهم الإسلاميين ومن شايعهم من المرجفين ــ فاختزلوا الدين في سلطة، والفقه في أداة للهيمنة، والأخلاق في سلوك قهري أحادي. بل أنشأوا وزارة تُعني “بإعادة صياغة المجتمع”، وكأن المجتمع كتلة من الطين يعاد تشكيلها بقرارات فوقية لا بروح التاريخ وتفاعلاته الطبيعية كما علّمنا ابن خلدون. لقد فاتهم أن المجتمعات تصاغ اعتبارًا لقدسية منشأها وجليل مخبرها، وليس تعديًا على ثرواتها الروحية والفكرية.

ولم يكن غريبًا أن يبدأ مشروعهم التخريبي باستباحة مكتبة الإذاعة السودانية، التي كانت ذاكرة الأمة ووجدانها. هناك حيث اجتمع أهل الغرب على إبراهيم عوض وهو يغني: “كنت معاك سعيد”، وأهل الشمال على”جدي الريل أبو قديمة”، وأهل كردفان على عبد القادر سالم وهو يشدو: “مكتول هواك أنا يا كردفان”، وأهل الجنوب يرقصون على “يا أغلى من عينيا”، والجميع يبكون على: “يا يمة رسلي لي عفوك”. جاء الإسلاميون فسمّوا هذا التراث مجونًا يجب تطهيره، وبذلك قتلوا آخر ما تبقى من وحدتنا الروحية.

جلست يومًا إلى الدكتور الشيخ حسن الفاتح قريب الله (طيب الله ثراه)، فور الانتهاء من الذكر، فسألته عن سبب مجافاة جامعة أم درمان الإسلامية والنظام التربوي والتعليمي عمومًا لإرثنا الصوفي العظيم، فقال لي “يا بني، لئن يمدح كلب، خيرٌ لهؤلاء من أن يمدح النبي ﷺ.”

لقد أحسن حيدر إبراهيم حين قال: “وراء كل أزمة سياسية أزمة ثقافية.” فأزمتنا في السودان لم تكن يومًا مجرد أزمة سلطة أو انقلاب عسكري، بل أزمة ثقافة جُرّدت من تنوعها وثرائها وحُشرت في قالب فقهي ضيق. وهنا يكمن الخلل: فالسياسة في الحداثة ممارسة بشرية، أما عند الإسلاميين فهي احتكار للتجربة البشرية في ساحة الأيديولوجيا الدينية، أي سجن النص في فضاء الهوى التنظيمي. وهكذا انتقلنا من فضاء المجاز إلى زنزانة الحرف، ومن رحابة الخيال إلى أحادية النص، ومن تعددية الألوان إلى رتابة الرماد.

ولعل الطيب صالح قد لمح هذه الكارثة حين تساءل: “من هؤلاء؟ ومن أين أتوا؟” لم يكن السؤال عن غرباء جغرافيا، بل عن غرباء روح وأدعياء ثقافة، عن أولئك الذين قطّعوا أوصال الوجدان السوداني وأدخلوا عليه قسوة لم يعرفها من قبل.

إن محكمة الضمير الحقيقية ليست التي تُحاكم فيها النصوص الأدبية، بل التي يجب أن نحاكم فيها أنفسنا: كيف سمحنا لأفقنا الروحي أن يختزل في شعارات حزبية؟ كيف انقلبنا من أمة تتذوق المجاز والغزل والمديح إلى جماعة تحرق المكتبات وتمنع الغناء وتجرّم الخيال؟ كيف أصبحنا أسرى أيديولوجيا لم تنتج إلا الخراب الاقتصادي، والفساد الأخلاقي، والانقسام السياسي؟

لقد قال جبران خليل جبران: “ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين.” والدين المقصود هنا ليس أيديولوجيا السلطة، بل ذاك الذي يحرر الروح ويطلق الخيال ويجعل المجاز جسرًا إلى الحقيقة. وما لم نستعد هذه الروح، ونفهم أن الحرية شرط الإيمان بقدر ما هي شرط الإبداع، فإننا سنظل ندور في فلك التردي الذي نراه.

 

ختامًا، إن معركتنا اليوم ليست بين الأدب والدين، ولا بين الغزل والمديح، بل بين وجدان حر ووجدان مأسور، بين مجاز يحلّق ونص جامد، بين أمة تتنفس وأمة تختنق وتكاد تموت.

وقد وجدت السلفية ــ في نسختها الوهابية المتأخرة ــ أداةً مثالية لصياغة إنسان أحادي البعد، خانع، مطوّع، لا يعرف من الوجود إلا خطًا واحدًا، ومن الحقيقة إلا وجهًا واحدًا. ومن هنا بدأ التردي الذي ما زلنا نحصد مراراته: اقتتالًا

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com