سياسة الحكومة المصرية تجاه السودان .. سوف تدمر العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين (2)

274
د. حليم يوسف محمود

الدكتور حليم يوسف محمود - باحث وخبير في قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا

“منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني والدعم السريع، اتخذت مصر موقفًا باهتا يتسم بالصمت أو التلميح لدعم الجيش”

 

مقدمة

لطالما ارتبط السودان ومصر بعلاقة تاريخية وجغرافية وثقافية لا تنفصم، حيث توحدت الضفتان في كثير من المحطات التاريخية، وتشاركتا المصلحة والمصير ومع ذلك، فإن التطورات السياسية الأخيرة، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أظهرت تحولات مقلقة في السياسة المصرية تجاه السودان، وهذه التحولات تنذر بتدهور خطير في العلاقة بين الشعبين، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مصالح الدولة المصرية في السودان، وحدود تدخلها في شؤونه.

فمنذ القرن التاسع عشر تشكلت علاقة خاصة بين مصر والسودان في ظل مشروع “وحدة وادي النيل”، وهو المشروع الذي تبناه محمد علي باشا حين وسع نفوذه جنوباً نحو السودان، وأسس بذلك لبداية ارتباط سياسي وإداري طويل الأمد، واستمرت هذه العلاقة خلال الحقبة الاستعمارية التي اتسمت بالحكم الثنائي البريطاني المصري للسودان (1899-1956)، رغم ما شابها من تناقضات في الإرادة الحقيقية للحكم.

 وقبل ذلك تشكلت علاقات مجتمعية وثيقة من خلال التداخل القبلي وحركة الأزهر الشريف وانتشار الطرق الصوفية وامتزاج العائلات، إضافة إلى الترابط الاقتصادي عبر نهر النيل، ولعبت الهجرات المتبادلة دورًا محوريًا في تعزيز العلاقات، لا سيما في النوبة وجنوب مصر وشمال السودان.

 موقف مصر من استقلال السودان

رغم ارتباط مصر التاريخي بالسودان فإن فترة ما بعد ثورة يوليو 1952 كانت حرجة؛ إذ تباينت المواقف المصرية من استقلال السودان وأظهرت القاهرة حينها رغبة في استمرار الوحدة، بينما اختار السودانيون عبر استفتاء عام 1955 الاستقلال الكامل عن مصر، ولم تقبل القيادة المصرية هذا الخيار بسهولة فبدأت مرحلة من الفتور تخللتها محاولات للاحتواء السياسي.

 وعلى مدار العقود اللاحقة، تبنت مصر عقيدة ثابتة ترى في السودان عمقًا استراتيجياً لأمنها القومي، وخصوصًا في ظل أهمية نهر النيل، ومع كل تغيير سياسي في السودان، كانت مصر تراجع موقفها وفقًا لمدى توافق السلطة الجديدة مع مصالحها وبالتالي باتت القاهرة طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في معادلات الحكم السودانية.

 ثورة ديسمبر 2018 وقلق الدولة المصرية

أثارت الثورة السودانية في ديسمبر 2018 قلقاً مصريًا واضحًا نظراً لأنها كانت ثورة شعبية ديمقراطية الطابع، مما اعتبر تهديدًا للنموذج السلطوي في المنطقة، ولم تظهر مصر حماسة لنجاح الانتقال المدني، بل دعمت عناصر داخل المؤسسة العسكرية السودانية، وسعت إلى استدامة نفوذها عبر قنوات غير رسمية.

العلاقة مع البرهان وحميدتي

كرست مصر علاقتها مع الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، واحتضنته كحليف موثوق ضد التيارات المدنية، فيما أبدت حذرًا واضحًا تجاه محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع، نظرًا لطموحاته غير المحسوبة وارتباطاته الإقليمية المتعددة، لا سيما مع الإمارات، واثيوبيا.

 موقف مصر من الحرب في السودان .. دعم ضمني لطرف على حساب الشعب

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني والدعم السريع، اتخذت مصر موقفًا باهتا يتسم بالصمت أو التلميح لدعم الجيش، بينما تجنبت توجيه نقد علني صريح لأي طرف، وهذا الصمت الذي يتناقض مع حجم الكارثة الإنسانية في السودان، عد من قبل كثير من السودانيين تأييدًا ضمنيًا للبرهان.

احتجاز اللاجئين وترحيلهم قسرًا

ما أثار الغضب الشعبي السوداني بشكل أوسع هو السياسات الأمنية التي تبنتها السلطات المصرية تجاه اللاجئين السودانيين، والتي شملت الاعتقال التعسفي والترحيل القسري للاجئين بمن فيهم نساء وأطفال، وتتنافى هذه الممارسات مع القانون الدولي، ومع الروابط التاريخية التي طالما تغنت بها الحكومات المصرية المتعاقبة.

هل تستعد مصر لإعادة تشكيل السودان وفق مصالحها؟

تشير بعض التقارير الاستخباراتية الغربية إلى أن مصر لا تمانع تقسيم السودان إذا كان ذلك يخدم أمنها المائي ويمنع سيطرة مجموعات موالية للإمارات أو إثيوبيا، هذا التحول الخطير يعكس نهجًا انتهازيًا ويهدد وحدة السودان وينسف أي احتمالات لمستقبل مستقر فيه.

 وفي خلفية كل التحركات المصرية في السودان يكمن هاجس سد النهضة، حيث ترى القاهرة أن أي سلطة سودانية متحالفة مع إثيوبيا تشكل خطرًا وجوديا على أمنها المائي، وقد استغلت مصر هشاشة الدولة السودانية لتحقيق اختراقات في ملف النيل الأزرق عبر دعم سلطات محلية على حساب سلطة الدولة المركزية.

تجاهل المبادرات المدنية والتحالف مع الأنظمة العسكرية

لم تكلف مصر نفسها عناء التواصل الجدي مع قوى الثورة السودانية، واكتفت بالتعامل مع العسكريين، في تناقض صارخ مع إرادة الشارع السوداني، وهذا الانحياز يفقد القاهرة دور الوسيط النزيه، ويقصيها من أي تسوية سياسية محتملة في المستقبل.

 كما أن الدور المصري في مبادرات السلام السودانية ظل باهتًا أو معرقلاً، حيث سعت مصر لإفشال المبادرات غير المنسقة معها (مثل مبادرة إيغاد أو المبادرة السعودية الأمريكية)، ورفضت منح الثقل لقوى مدنية سودانية.

تراجع صورة مصر في وعي السودانيين

كان للمواقف المصرية الأخيرة أثر بالغ في نفوس السودانيين، خصوصا الشباب والناشطين، الذين باتوا ينظرون إلى القاهرة كطرف غير صديق، وتتراجع “الهالة المصرية” في السودان يوما بعد آخر، ويتراجع معها دور مصر التاريخي، بينما تحل محله قوى أخرى أكثر ديناميكية وإن كانت أكثر خطورة.

 وإذا استمرت السياسات المصرية الحالية، فإنها ستؤسس لعداء شعبي عميق بين الشعبين، لا سيما في ظل الانتهاكات المباشرة التي تمس كرامة السودانيين داخل الأراضي المصرية، والاصطفاف السياسي غير المتوازن.

الطريق إلى مستقبل مشترك أم قطيعة؟

إن مسؤولية الحفاظ على العلاقة التاريخية بين مصر والسودان تقع أولًا على عاتق الدولة المصرية، بحكم القوة والنفوذ، ولكن هذا النفوذ لا ينبغي أن يوظف لتكريس الاستبداد أو التدخل في شؤون السودان الداخلية، بل لدعم إرادة الشعب السوداني في الحرية والديمقراطية.

إن استمرار القاهرة في دعم العسكريين، وقمع اللاجئين وتجاهل قوى الثورة، سوف يعمق الجراح، ويخلق واقعا من العداء يصعب إصلاحه لاحقًا. فإما أن تختار مصر دور الشقيق الأكبر الحريص على مصلحة جاره، أو تفتح الباب لصراعات إقليمية تدمر كل ما تبقى من إرث مشترك.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com