فضيحة في كادوقلي: جيش يتحكم في السوق ويعتقل من يكشف فساده!

178
SUDAN-CONFLICT-UN-AID

A displaced woman carries a basket at a camp for Internally Displaced Persons (IDP) near Kadugli, the capital of Sudan's South Kordofan state, during a United Nations humanitarian visit on May 13, 2018. (Photo by ASHRAF SHAZLY / AFP) (Photo credit should read ASHRAF SHAZLY/AFP via Getty Images)

كادوقلي – تقرير خاص

في قلب مدينة كادوقلي، حيث يختلط البارود برغيف العيش، انفجرت واحدة من أكثر القصص المفزعة عن تواطؤ المؤسسات العسكرية مع الجشع التجاري. ضابط في الفرقة 14 مشاة يعتقل جنديًا خرج في بث مباشر عبر “تيك توك” لينتقد ارتفاع الأسعار، في بلد تنهشه الحرب ويمزقه الجوع، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا بتدخل من قائد مليشيا موالية… وكأنّ العدالة تُدار بالوساطات لا بالقانون.

الحادثة التي بدأت كلحظة غضب عفوي من جندي بسيط اسمه “حماد”، تحولت إلى مرآة تعكس فسادًا مستشريًا يتجاوز السوق ليطال جنرالات الجيش وضباط الاستخبارات والشرطة، الذين لم يكتفوا بالقتال، بل قرروا أن يصبحوا “تجارًا” و”محتكرين” فوق ذلك.

كادوقلي: حيث الجندي حارس السوق والسلعة في آن واحد

لم تعد الأسواق في كادوقلي تدار بمنطق العرض والطلب، بل بمنطق السلاح والرتبة العسكرية. فحسب مصادر مطلعة، فإن أغلب البضائع تعود ملكيتها لأفراد في القوات النظامية – من جيش وأمن وشرطة – يدخلون السلع بتسهيلات رسمية ثم يعرضونها بأسعار جنونية وسط غياب تام للرقابة أو أي عدالة اقتصادية.

“كافي طيارة”: خطاب الجمعة ونكتة السوق

في خطبة جمعة لا تشبه الجمعة، صعد العميد كافي طيارة، القائد المحلي المثير للجدل، منبر الجامع الكبير بكادوقلي مهددًا بإجتياح السوق وإخضاع التجار لـ”الشفشفة” – وهي لفظة محلية تعني التفتيش التعسفي والمصادرة. لكن بدلًا من إصلاح السوق، خرج من المسجد ليعتقل الجندي الذي فضح التواطؤ!

وبعد موجة الغضب الشعبي، سارع المدير التنفيذي للمحلية لإصدار قرار “تحديد الأسعار” و”تنظيم التحويلات البنكية”، في محاولة لامتصاص الغضب، فيما الحقيقة تقول إن القرار جاء بأمر من اللجنة الأمنية التي تتحكم في اقتصاد المدينة كعصابة منظمة.

الجيش تاجرًا وقاتلًا

قادة الفرقة 14 بكادوقلي – بحسب تقارير متواترة – يملكون شبكات مصالح اقتصادية ضخمة: من ضباط المالية الذين يضاربون في مرتبات الجنود، إلى ضباط الإمداد الذين يختزنون السلع في مخازن الجيش ويطرحونها حين يشاؤون، ثم يبيعونها بأسعار تفوق الكاش بنسبة تصل إلى 40%!

الأدهى، أن هذا “الجيش التاجر” لا يملك حتى الجرأة للاعتراف بجشعه، بل يُخرج أحد منسوبيه ليتحدث عن “شفافية” السوق، ثم يعتقله ويطلق سراحه لاحقًا بوساطة… مشهد كوميدي أسود لا يليق إلا بجمهورية فاسدة.

كادوقلي المختطفة: ثلاث حكومات في مدينة واحدة

الواقع اليوم في كادوقلي يشبه ما قبل الانفجار: ثلاث قوى تحكم السوق.

  • الأولى: ضباط الجيش وتجارهم.
  • الثانية: الموظفون المحليون الفاسدون الذين ينفذون أجندات العسكر.
  • والثالثة: مجموعات شبابية من “أبناء الولاية” أصبحت أدوات تنفيذية ومخبرين مقابل مصالح شخصية.

هذه الخريطة المعقدة خلقت وضعًا خانقًا يُجبر المواطن على شراء حاجاته بنظام التحويل البنكي (بنكك)، وسط غلاء فاحش وانعدام الخيارات، وكل من يجرؤ على الشكوى يُتهم بالتخابر أو يُرمى بالخيانة.

من الفساد إلى التمرد: من يوقف هذا الانهيار؟

الفساد الذي عمّ كادوقلي، ليس حادثًا طارئًا، بل تجلٍّ صارخ لفشل دولة اختارت أن تتحول مؤسساتها إلى أدوات للنهب لا الحماية. وكلما صرخ أحدهم بالحقيقة، يكون الرد قاسيًا: اعتقال، تهديد، ووصمة “متمرد”.

لكن رغم القبضة الأمنية، تتزايد الأصوات التي تقول: الجيش لم يعد جيشًا. لقد صار شركة تجارية بسلاح، وصرنا نحن المواطنين نعيش كأسرى داخل أسواقهم.

العار ليس في الغلاء فقط، بل في أن يتحول الحامي إلى ناهب، والمحرِّر إلى تاجر، ومدينة مثل كادوقلي، صمدت في وجه الحروب، إلى سوق سوداء لسلع الجيش.

وهكذا تستمر المسرحية ولكن بطلها الوحيد، هو المواطن المطحون، الذي لا يملك من أمره إلا أن يحلم بوطن لا تدار أسواقه بالبندقية.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com