في ظل تعقيدات المشهد السوداني .. دعوات لمراجعة أمريكية جادة وتحرك دولي عاجل لإنهاء الحرب
في ظل تصاعد الحرب وتعقّد الأزمة السياسية والإنسانية في السودان، يزداد القلق المحلي والدولي من انزلاق البلاد نحو فوضى أعمق تهدد بقاء الدولة نفسها. وبينما يتسابق الفاعلون الإقليميون والدوليون على النفوذ، تبرز الحاجة الملحة لمراجعة أمريكية جادة واستراتيجية دولية فاعلة لإنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال المدني، وهذا التقرير يقدم رؤية تحليلية للباحث محمد الأمين عبدالنبي، ويعرض آراء خبراء في الشأن الإقليمي والدولي حول فرص الحل ومطلوبات التحرك الأمريكي والدولي العاجل.
تقرير – خاص: بلو نيوز الإخبارية
يمر السودان بمرحلة فارغة وخطيرة في آن، تتسم بتصاعد تعقيد الأزمة السياسية والإنسانية، وانعدام أي ملامح قريبة للحل، مع تصاعد العمليات العسكرية، وتشكيل حكومتين متوازيتين في كل من بورتسودان ونيالا، واقع يعكس انقساماً عميقاً يهدد كيان الدولة، ويضع السودانيين والمجتمع الدولي أمام تحديات جسيمة.
ورغم هذا الانسداد، تبرز الحاجة الملحة إلى حوار داخلي شامل كمسار آمن وضروري، يفتح الطريق نحو إنهاء الحرب واستعادة التحول المدني الديمقراطي.
في هذا السياق، يطرح الأستاذ محمد الأمين عبدالنبي، وهو باحث ومحلل سياسي، رؤية تحليلية متعمقة حول آفاق الحل ومحددات الدور الدولي، خصوصاً الأمريكي، مشيرًا إلى أن المشهد السوداني بات ضحية لاستقطاب حاد، وتحولات داخلية عبثية أقرب لـ”السوق الحر السياسي”، حيث تُدار السياسة بمنطق السمسرة، وتُسمم بخطابات الكراهية والانقسام.
هل تنجح الرباعية في فرض تحول خارجي؟
يشير عبدالنبي إلى أن مبادرة “الرباعية الدولية” التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، تواجه صعوبات هيكلية تحول دون نجاحها، أبرزها غياب استراتيجية موحدة بين الدول الثلاث الإقليمية، وتضارب مصالحها، وعجزها عن صياغة موقف متماسك. أما الولايات المتحدة، اللاعب الرئيسي في الرباعية، فإن تحركاتها تظل رهينة توجهات إدارة الرئيس العائد دونالد ترامب، التي بحسب عبدالنبي، تعيد تموضعها الاستراتيجي وفق مصالح اقتصادية براغماتية، بعيدًا عن أولويات الديمقراطية أو العدالة.
حسابات أمريكا وتناقضات الداخل السوداني
ويضيف عبدالنبي أن الولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى السودان من زاوية أمنية واستراتيجية، تتركز حول ثلاث قضايا: محاربة الإرهاب، مواجهة النفوذ الروسي والصيني، وحماية أمن إسرائيل. ونتيجة لذلك، فإن اهتمام واشنطن بالسودان ظل متذبذباً، وتتسم استجابتها للأزمة ببطء وفتور، وسط تراجع في المساعدات الإنسانية، وعزوف عن الضغط الحقيقي على أطراف الحرب، في ظل غياب تواصل فاعل مع القوى المدنية.
دعوات لإعادة تموضع أمريكي ومبادرة دولية فاعلة
من جانبها، ترى الدكتورة سلمى يوسف، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة أفريقيا العالمية، أن استمرار غياب واشنطن عن المشهد السوداني سيمنح الفاعلين الإقليميين غير المتفقين مساحة أكبر لإدامة الصراع، ما يستدعي تدخلاً مباشرًا أمريكيًا أكثر مسؤولية، يستند إلى معرفة عميقة بتعقيدات الملف السوداني.
أما الدكتور الطيب كباشي، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، فيؤكد أن توسعة “الرباعية” لتشمل أطرافًا إضافية – مثل بريطانيا، قطر، الاتحاد الإفريقي، والإيقاد قد يمثل خطوة مهمة نحو اتفاق شامل، خصوصاً إذا ما تبع ذلك إعلان مبادئ متفق عليه، وخارطة طريق تؤسس لعملية سياسية ذات مصداقية.
مقترحات عاجلة: ما الذي ينبغي على واشنطن فعله؟
استنادًا إلى تحليلات عبدالنبي، ورؤية خبراء ومراقبين، فإن استعادة الدور الأمريكي يجب أن تستند إلى خمس خطوات مركزية:
- الإمساك المباشر بملف الحرب في السودان، من قبل واشنطن، وتكليف خبراء مختصين يدركون أبعاد الحرب وتعقيداتها.
- إعادة هيكلة الرباعية وتوسعتها لتشمل قوى دولية وإقليمية فاعلة، وبلورة رؤية موحدة تنتهي بإعلان مبادئ واضح.
- إحياء المسار التفاوضي المباشر بين المتحاربين لوقف إطلاق النار وتأمين المساعدات الإنسانية، استنادًا إلى اتفاق جدة ووثيقة المنامة.
- الدعوة إلى مائدة مستديرة سياسية شاملة، تضم القوى المدنية المؤمنة بالسلام والديمقراطية، على غرار مؤتمر القاهرة.
- إضفاء شرعية دولية عبر مجلس الأمن على مخرجات المفاوضات والعملية السياسية، لضمان التنفيذ الفعلي والرقابة المستقلة.
وفي ظل الانقسام الداخلي، والتضارب الإقليمي، وغياب استراتيجية أمريكية فاعلة، يقف السودان على حافة المجهول، ويرى مراقبون أن تحرك إدارة ترامب أو استمرارها في سياسة التجاهل سيحدد مسار الحرب والسلام في السودان خلال الأشهر القادمة. فهل يظل الملف السوداني في الأدراج الأمريكية، أم يُنتزع من هامش التهميش إلى مركز الاهتمام الدولي؟
