قافلة مليط: جريمة حرب جديدة تكشف عقيدة الجيش السوداني في استهداف المدنيين والإنكار

227
اغاثة

في قلب المأساة السودانية المستمرة، حيث يتقاطع الجوع مع الحرب، تحولت قافلة إنسانية كان يُفترض أن تحمل الغذاء والدواء للأطفال والأسر المحاصرة في شمال دارفور، إلى هدف عسكري محترق. الغارة الجوية التي استهدفت القافلة في مدينة مليط لم تكن مجرد حادث عرضي، بل جريمة تضيف فصلًا جديدًا إلى سجل الانتهاكات التي وسمت مسار الجيش السوداني منذ أن وقعت تحت هيمنة الحركة الإسلامية: القتل أولًا… والإنكار ثانيًا. هذا التقرير يسلط الضوء على تفاصيل الحادثة، التناقض في الروايات الرسمية، الأدلة الدامغة على تورط الجيش، والرسائل السياسية الكامنة وراء استهداف الخبز والدواء كسلاح حرب ضد المدنيين.

 

وكالات – بلو نيوز الاخبارية

 

الأمل الذي تحوّل إلى رماد

في لحظة انتظرها آلاف المدنيين المحاصرين بالجوع والمرض، انطلقت قافلة مساعدات إنسانية من بورتسودان متجهة إلى مدينة الفاشر عبر مليط. القافلة التي أشرف عليها برنامج الغذاء العالمي (WFP) واليونيسف، كانت تحمل الغذاء والدواء للأطفال والأسر التي أنهكها الحصار، لتكون أول قافلة إنسانية تصل إلى شمال دارفور منذ أكثر من عام. لكن الأمل سرعان ما تبخر؛ إذ تحولت الشاحنات المحملة بالمعونات إلى كتلة من اللهب بعد غارة جوية مدمرة استهدفتها في مليط، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن خمسة أشخاص وإصابة آخرين، بحسب تقديرات أولية لوكالة أسوشيتد برس (AP).

رواية الجيش تنهار أمام الحقائق

لم تمضِ ساعات على المجزرة حتى أصدر الجيش السوداني بيانًا عاجلًا نفى فيه مسؤوليته، واتهم قوات الدعم السريع باستخدام طائرات مسيّرة لقصف القافلة. لكن هذه الرواية سرعان ما انهارت، إذ أكد شهود عيان من سكان مليط أن الغارة نفذتها طائرات حربية نظامية، وهو سلاح لا تمتلكه إلا القوات المسلحة. تقارير صحفية دولية، أبرزها من الغارديان البريطانية وأسوشيتد برس، دعمت هذه الشهادات وأكدت أن القصف كان منظمًا ومنفذًا من الجو. الأخطر من ذلك أن منصات إعلامية موالية للحركة الإسلامية سارعت في البداية للاحتفاء بالهجوم باعتباره “إنجازًا عسكريًا”، لكنها تراجعت وصمتت بعد افتضاح الحقائق، في تكرار لسيناريو قديم: ارتكاب الجريمة ثم محاولة دفنها تحت ركام الإنكار.

الأدلة تتراكم .. والاتهام يتركز على الجيش

المعطيات التي تكشف تورط الجيش في استهداف قافلة مليط متعددة وواضحة:

  • شهادات محلية: سكان المدينة أكدوا أن الغارة نُفذت بواسطة طائرات حربية.
  • تقارير دولية: وكالات مثل AP والغارديان وثّقت القصف الجوي بدقة.
  • موقف الأمم المتحدة: برنامج الغذاء العالمي وصف الهجوم بـ”المروع” وطالب بتحقيق عاجل ومستقل.
  • النمط التاريخي: منذ دارفور 2003، درج الجيش السوداني على استهداف المدنيين وقوافل الإغاثة الجوية، مع إنكار ممنهج للمسؤولية.

هذه الأدلة تجعل من محاولة الجيش التنصل مجرد مناورة سياسية لا تصمد أمام الوقائع.

جريمة حرب بمقاييس القانون الدولي

القانون الدولي الإنساني واضح وصارم: استهداف قوافل إنسانية محمية باتفاقيات جنيف يُعد جريمة حرب. الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أكدت أن ما حدث في مليط يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، بل ويكشف عن سياسة متعمدة تستخدم التجويع كسلاح حرب. فالمدنيون في دارفور يعيشون منذ شهور في ظروف إنسانية كارثية: حصار، انعدام غذاء ودواء، وقصف متكرر للأسواق والمستشفيات، مثل الهجوم على مستشفى الأمومة بالفاشر.

استراتيجية الإسلاميين: من التجويع إلى التصفية

ما حدث في مليط لا يمكن اعتباره حادثًا معزولًا؛ بل هو امتداد لنهج الحركة الإسلامية التي سيطرت على الجيش منذ عقود. عقيدة هذه المنظومة تقوم على:

  • قصف المنشآت المدنية: أسواق، مستشفيات، مدارس.
  • حصار المدن: تجويع السكان لإخضاعهم.
  • منع المساعدات الدولية: استخدام الغذاء والدواء كورقة ضغط.

 

بهذه الاستراتيجية، يصبح المدنيون وقوافل الإغاثة أهدافًا مشروعة في نظر قادة الجيش، بينما يُستخدم الإنكار الإعلامي كغطاء لجرائم ممنهجة.

البعد السياسي للجريمة

القصف على قافلة مليط لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل حمل رسالة سياسية واضحة: معاقبة المدنيين عبر استهداف الخبز والدواء. وهو ما يكشف أن الحرب لم تعد موجهة ضد الخصم العسكري فقط، بل ضد الشعب نفسه. والأخطر أن الجيش يدرك حجم الورطة السياسية التي وقع فيها؛ فالنفي السريع يعكس قلقًا من الضغط الدولي، ومحاولة يائسة لامتصاص الغضب المحلي والعالمي.

المجتمع الدولي أمام اختبار جديد

هذه الحادثة تضع المجتمع الدولي أمام سؤال حاسم: هل يكتفي ببيانات التنديد المعتادة، أم يتجه لفتح تحقيق مستقل يضع حدًا لنهج الإفلات من العقاب؟ فالسوابق كثيرة، والانتهاكات موثقة، لكن غياب المساءلة جعل الجرائم تتكرر بلا رادع. قافلة مليط قد تكون محطة فارقة إذا ما تحولت إلى ملف تحقيق دولي ملزم، يفضح آلية استهداف المساعدات الإنسانية في السودان.

الخاتمة: الجريمة والإنكار .. مجددًا

قافلة مليط لم تسقط بالخطأ، بل قُصفت عمدًا في جريمة حرب مكتملة الأركان. الجيش السوداني، الخاضع لهيمنة الحركة الإسلامية، أعاد تكرار سيناريوهاته القديمة: ارتكاب الجريمة أولًا، ثم الكذب أمام العالم. وبينما يحترق الخبز والدواء في الشاحنات، يزداد جوع المدنيين ويطول أمد المأساة. إنها وصمة عار جديدة على جبين المؤسسة العسكرية، لن يمحوها صمت الداخل ولا تواطؤ الخارج.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com