منال علي محمود: إيقاف خدمة iBOK في السودان… الاقتصاد يُدهس بالقرارات

259
منال علي محمود

منال علي محمود

(man​[email protected])

قراءة أولية في قرار متعجّل
لم يكن قرار بنك السودان المركزي بإيقاف خدمة (iBOK) التابعة لبنك الخرطوم مجرد إجراء فني كما رُوّج له، بل جاء في لحظة حرجة، كاشفا عن فشل مستمر في إدارة الاقتصاد الوطني، وعجز مزمن عن التعامل مع أدوات الدفع الحديثة التي باتت تمثل شريانا حيويا لحياة ملايين السودانيين.

القرار لم يأت من فراغ، بل ضمن سياق يتآكل فيه الجهاز المصرفي الرسمي، وتخفت فيه الشفافية، وتغيب فيه البدائل، ما يجعله بمثابة خطوة مرتجلة تحمل عواقب اقتصادية واجتماعية مباشرة.

تطبيق iBOK… شريان الحياة تحت المقصلة
خدمة (iBOK) لم تكن مجرد تطبيق بنكي، بل نافذة أنقذت الملايين داخل السودان وخارجه من التعطيل، لا سيما أكثر من ثلث السودانيين الذين يعيشون نازحين أو لاجئين ويعتمدون على هذه الخدمة في البقاء أحياء.
مع تراجع خدمات الكهرباء والإنترنت، وفقدان الثقة في الكاش والسيولة الأمنية ، أصبحت التطبيقات المصرفية مثل (iBOK) أحد آخر قنوات الدفع الآمنة والعملية. وعندما يُسحب هذا الخيار دون بديل، فإن القرار لا يُفسَّر إلا بكونه دهسا ممنهجا للاقتصاد الرسمي.

تعمّق أزمة الثقة وتمدّد السوق الموازي
إيقاف الخدمة دون تقديم بديل سيدفع آلاف الأفراد والشركات إلى العودة إلى التعامل النقدي أو اللجوء إلى السوق الموازي، بما يحمله من مخاطر، ويؤدي إلى خلق طلب متزايد على العملات الأجنبية، وبالتالي تدهور الجنيه السوداني وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
في واقع يتفكك فيه جهاز الدولة وتنهار مؤسساته، يصبح القرار الاقتصادي الخاطئ وقودا للفوضى، وتُفتح الأبواب أمام غسل الأموال والتهريب والأنشطة غير النظامية، التي تهدد ما تبقى من اقتصاد منظم.

ترويج وهم الانتصار.. وتسويق الجهل
في أعقاب القرار، لجأت بعض الجهات الإعلامية لتقديمه كضربة موجهة ضد (الدولار) أو كبداية لانتصارات اقتصادية قادمة، هذا التسويق المضلل لا يعكس الواقع بل يصنع وعيا اقتصاديا زائفا، ويحوّل الكارثة إلى نصر وهمي.

إيقاف أدوات الدفع الرسمية لا يؤدي لتحسن الجنيه، بل قد يعمّق انهياره نتيجة توسع السوق الموازي، في ظل غياب أي رقابة أو شفافية.

بين غياب التوضيح وانعدام البديل
تبرير البنك المركزي تمحور حول (إعادة الهيكلة والتوسعة)، لكنه جاء دون تفاصيل واضحة أو إطار زمني أو رؤية للبديل، ما يجعل القرار جزءا من سياسات فوقية لا تراعي معاناة الناس.
لا يُرفض إصلاح النظام المصرفي، لكن يُرفض تعمّده خنق ما تبقى من خدمات دون مراعاة السياق الأمني، ودون حوار مع المستفيدين. في غياب مؤسسات الرقابة والتمثيل الشعبي، فإن المساءلة تتحول إلى واجب وطني، لا مجرد إجراء إداري.

قرار فوق العقول.. لا فوق الطاولة
إن كانت هناك شبهات أو مخالفات، فالإجراء الطبيعي هو التحقيق والمحاسبة لا إيقاف كامل الخدمة. القرارات التقنية لا تُتخذ كـ(عقاب جماعي)، ولا يجوز التضحية بملايين في سبيل (نصر إداري) لا ينعكس على حياة أحد.

لقد أظهرت التجربة أن الدولة لا تتوانى، في سعيها للسيطرة، عن إدراج مواطنيها ضمن خانة الأضرار الجانبية إن لزم الأمر.

رواندا نموذجا
في قيادة الدولة للتحوّل لا عرقلته.
في رواندا، التي خرجت من حرب أهلية طاحنة، لم تختر الحكومة قمع الخدمات المالية الحديثة، بل راهنت على التكنولوجيا كوسيلة إنقاذ. استثمرت الدولة في البنية التحتية الرقمية، ووفّرت بيئة مواتية لنمو التطبيقات البنكية، مع وضع قواعد رقابية صارمة.

النتيجة كانت واضحة، توسّع في الشمول المالي، تقليص للفساد النقدي، وسيطرة أفضل على التدفقات المالية. رواندا لم تُوقف الخدمات، بل نظّمتها، وهذا هو الفارق الجوهري بينها وبين قرارات تُتخذ في الخرطوم، بعقلية العقوبة لا الحوكمة.

ختاما… بين الثقة والفوضى
إيقاف (iBOK) لم يكن مجرد مسألة تقنية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام السلطة بمسؤولياتها تجاه اقتصاد يعاني، ومواطن مرهق، وثقة متآكلة.
لم يكن المواطن طرفا في صناعة هذا الانهيار، لكنه دائما أول من يدفع الثمن.

فإما أن تُبنى السياسة على الثقة، أو نترك الأبواب مشرعة للفوضى وتتصدر الابواق المشهد.
الا هل بلغت اللهم فاشهد

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com