منال علي محمود: بورتكيزان بين جنازير الحسين وصناديق المشتركة

202
منال علي محمود

بقلم منال علي محمود
[email protected]

في بلد يحكمه الغدر لا حاجة لبناء تحالفات يكفي أن تكون قويا ثم ضعيفا ليرمى بك كأنك لم تكن

منع الحكومة السودانية صباح اليوم السفارة الإيرانية من إقامة مؤتمر صحفي في بورتسودان رغم أن إيران هي الراعي الرسمي للمسيّرات والطموح العسكري لهذه الحكومة ليس حدثا معزولا هو فصل جديد في كتاب إدارة الحكم عند البورتكيزان حين تضيق الدائرة لا يراجع القرار بل يقطع الرأس

هل فوجئت إيران ربما
لكن أبناء الحركات المسلحة لم يعودوا يندهشون هم أنفسهم تلقوا الإشارة حين تحولت لغة السلطة من التغزل في السلام إلى التنمر على الوافدين فجأة أصبح القادة الذين نصبوا وزراء هم سبب الفشل وفجأة صار وجودهم عبئا على مشروع الدولة وهكذا فهموا أن منطق الشراكة في السودان لا يقوم على الثقة بل على البدائل الجاهزة

إيران التي اعتقدت أنها عادت إلى السودان من بوابة الحرب وجدت نفسها تمنع من إقامة مؤتمر صحفي في سفارتها ببورتسودان مشهد يبدو صغيرا لكنه يحمل دلالة عميقة أن هذه الحكومة مثل سابقتها لا تحترم حلفاءها بل تستخدمهم ثم تتبرأ منهم عند أول ضغطة

ولعل في ذاكرة طهران ما يكفي لتذكيرها بما حدث حين كانت تملأ شوارع الخرطوم بجنازير الجلد والمواكب الحسينية والندوات العقائدية حينها ظنت أنها أصبحت جزءا من نسيج الدولة ثم فجأة في لحظة تغيير سياسي مأزوم طردت بلا تحفظ وبلا مراسم

لم تتعلم وعادت وها هي تصفع مرة أخرى لا بخطاب سياسي بل بقرار أمني صغير ممنوع المؤتمر الصحفي يا دولة الميليشيا

في دولة الغدر حتى إيران لا تجد كرامتها

ولم تكتف الحكومة بالغدر بحلفائها القريبين بل حين قصفت قاعدة أمريكية في قطر خرجت الخارجية السودانية مدينة للهجوم ليس حبا في قطر ولا دفاعا عن القانون الدولي بل لأن قطر هي الحليف الذي لم تغضب عليه أمريكا بعد أمريكا التي كان رموز هذه الحكومة حتى وقت قريب يقولون عنها تحت جزمتنا ويوهمون القطيع بأنهم على طريق التحرير والمقاومة

لكن الحقيقة أن التحرير مؤجل والمقاومة مزاجية والتحالفات لا تبنى إلا على حساب الضعفاء

وأي فئة أضعف في نظر هذه الحكومة من أبناء الحركات المسلحة أولئك الذين لم يدعوا لحماية أمهاتهم في معسكرات النزوح ولا لمرافقة أهاليهم في الفيافي المنسية بل دفعوا دفعا لحماية أمهات غيرهم في مدن لم يسمح لهم يوما باعتبارها موطنهم ودفعت دماؤهم في سبيل وطن لم يعترف بأجسادهم إلا كمصدات للرصاص

في وطن كهذا لا تقاس المواطنة بالمساواة بل بكم تخدم المركز وكم تنسى أنك من الهامش

في هذه البلاد لا يبنى القرار على المبدأ ولا تتحرك الدولة بوحي من العقل أو الحس العام هي دولة رد الفعل دولة الصدمة والانفعال دولة تصدر القرار كما يشهق المذعور في وجه حريق

تارة تطرد إيران ثم تستجلبها حين تشتد الكتمة ثم تطردها من جديد عندما تظهر في الصورة يد أمريكية أو همسة خليجية

وتارة تحتفي بالحركات المسلحة ثم تنقلب عليهم وتحملهم أوزار الفشل وتسّلط عليهم سكاكين التنمر لا لأنهم أخطأوا بل لأنهم لم يعودوا مفيدين

دولة لا تكافئ الولاء بل تعاقب عليه حين تتغير المصلحة

دولة لا تراكم الشراكات بل تعدمها إذا شعرت بأن الخروج أسهل من الاعتراف بالخسارة

إنها ليست دولة إنها رد فعل طويل على أزمة مستمرة

دولة لا تحكم بحكمة ولا تخطط لحكم بل فقط تبحث عن المخرج حين تضيق الكتمة

في هذا الوطن المائل لا تصمد العلاقات ولا تثبت التحالفات كل من يتوهّم أن الرصة تعني ثبات المقعد سيفاجأ بأن اسمه أول من يُحذف حين تشتد الكتمة لا تراهن على دولة لا تحفظ التحالفات ولا تستحي من الغدر من يقبل أن يكون أداة لا يشتكِ حين يُستخدم ومن يحتمي بالمنصب سيفقده عندما يتغير المزاج إذا لم يكن لك موطئ قدم في أصل الدولة فلا تخدعك الوزارات ولا التصريحات ولا التهليل الإعلامي أعد تعريفك لنفسك شريك أم مرتزق وهل بندقيتك تحمي أهلك أم تُستأجر لصالح غيرك الحق لا يُحمى من داخل صندوق مغلق والرصاص لا ينقذ من لم تُحسب له كرامة في طاولة القرار لا تصنع بندقيتك لمن لا يحسب لك حساب لأنك ستطلقها يوما لا لتدافع بل لتنسحب

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com