منال علي محمود: خلط التخصصات وآفة البلد

167
منال على محمود

منال علي محمود
[email protected]
قرأت مقال الاستاذة سهير عبد الرحيم عن خالد سلك والبندقية، فرأيت أن القضية ليست في شخص خالد ولا في البندقية، بل في الفكرة التي تتكرر دائما في خطابنا العام: أن الوطني الحق لا يثبت انتماءه إلا إذا حمل السلاح.

وهذا في جوهره هو الخلل الذي أوصل بلادنا إلى ما نحن فيه.

فالسياسي ليس مطلوبا منه أن يكون جنديا، كما أن الطبيب لا يطلب منه أن يكون تاجرا، والإعلامي لا يقاس نجاحه بقدرته على إدارة المعارك العسكرية. هذه الأدوار إذا تداخلت واختلطت تصبح آفة تهدد المجتمع والدولة معا.

إن سهير نفسها اليوم تقاتل بالكلمة، وهذا حقها ودورها ككاتبة. فهل نطالبها أن تكون (حكامة) في الأعراس باعتبارها وسيلة أخرى للتعبير؟ أم نطلب منها أن تتحول إلى ممرضة في ميدان القتال لتداوي الجرحى؟

الفكرة الجوهرية أن لكل إنسان مجالا يتقنه. فالسلم ليس ضعفا بل شجاعة أخرى، والتفاوض ليس خيانة بل وسيلة لإنقاذ الأرواح، والسياسة ليست نقيضا للوطنية بل أداة لتنظيم حياة الناس.

التاريخ مليء بالأمثلة: غاندي لم يحمل بندقية، لكنه حرر الهند. مانديلا لم ينتصر بالسلاح، بل بالمفاوضات. وفي السودان نفسه، ثورة ديسمبر قادها شباب ونساء عزل، فغيروا المعادلة.

وما دمر السودان أكثر من هذا الخلط المريع. فقد رأينا الإسلاميين يحولون الدين إلى منصة سياسية وعسكرية، ورأينا ضباطا يتحولون إلى تجار ذهب ونفط، ورأينا أطباء ومهندسين تركوا ما يفيد الناس ودخلوا في مزادات السياسة. عندما يختلط الحابل بالنابل تضيع الدولة وتنهار المؤسسات.

المطلوب اليوم أن يعود كل صاحب اختصاص إلى مجاله: السياسي يمارس السياسة، العسكري يحمي الأرض، الطبيب يداوي، والإعلامي يكتب. عندها فقط يمكن أن نبدأ في إعادة بناء وطن ممزق.

خارج السطور:
البلد لا تحتاج مزايدات جديدة حول من يستحق البندقية، بل تحتاج إلى إعادة تعريف الأدوار حتى لا نكرر أخطاء الماضي.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com