منال علي محمود: قرارات الإمارات تجاه السودان… قراءة في المعنى والتأثير والصورة أمام العالم

162
منال على محمود

منال علي محمود 

[email protected]

القرار والخلفية
لم يكن قرار الإمارات بوقف الرحلات الجوية والشحن البحري مع السودان حدثاً عابراً أو مجرد رد فعل لحظي، بل خطوة سياسية واقتصادية محسوبة بدقة، تُترجم مستوى غير مسبوق من التوتر بين البلدين. ففي بيانات رسمية متتالية، أعلنت الإمارات:

تعليق الرحلات الجوية من وإلى بورتسودان، ومنع الطائرات السودانية من الهبوط أو الإقلاع في مطاراتها.

وقف الشحن البحري والجوي، ومنع إصدار تصاريح الإبحار للسفن المتوجهة إلى ميناء بورتسودان أو القادمة منه، حتى في عمليات الشحن العابر (الترانزيت) عبر الموانئ الإماراتية.

وقف التعامل مع الحاويات والبضائع السودانية في جميع المحطات، بحجة أن الخرطوم تشن “حملة تضليل” لتبرير الحرب وإطالة أمدها، مع تأكيد أبوظبي أنها تدعم عملية سياسية يقودها المدنيون وتضع احتياجات الشعب فوق أي مصالح أخرى.

التأثير الاقتصادي الكارثي
إذا كانت هذه القرارات تحمل دلالة سياسية، فإن أثرها الاقتصادي أقل ما يوصف به أنه ضربة في قلب اقتصاد منهك أصلاً. نحن نتحدث عن دولة تخوض حرباً شاملة، بلا إنتاج فعّال، وبلا استقرار مالي، وتعيش على ما يشبه “التنفس الصناعي” من الواردات والتحويلات.
في اقتصاد سليم، يمكن لأي دولة أن تعيد ترتيب أوراقها وتبحث عن أسواق بديلة أو خطوط إمداد جديدة. لكن في حالة السودان، هذا الترف غير موجود. البنية التحتية مدمّرة جزئياً، الموانئ الأساسية تحت ضغط الحرب أو مهددة، والخطوط اللوجستية البرية محفوفة بالمخاطر الأمنية والسياسية.
خذ مثالاً بسيطاً: الوقود. لو أرادت الحكومة استيراد ثلاث بواخر وقود فقط، فهذا يعني طلباً فورياً على الدولار بعشرات ملايين الدولارات. في ظل غياب احتياطيات نقد أجنبي، سيُترجم هذا إلى ضغط هائل على سعر الصرف، مما يفتح الباب مباشرةً لارتفاع الأسعار في كل القطاعات، من المواصلات وحتى رغيف الخبز.
هذه القرارات ستخلق فجوة واضحة في الإمدادات، ليس فقط للوقود، بل لكل السلع التي كانت تأتي عبر الموانئ أو شركات الشحن الإماراتية. ومع هذه الفجوة، تبدأ صناعة الندرة:

السوق الموازي سيتمدّد، وأسعار الدولار ستقفز.

البضائع الرديئة أو منتهية الصلاحية ستدخل لملء الفراغ، لأن الرقابة ضعيفة والمستورد يبحث عن الأرخص والأسرع.

شبكات التهريب ستنشط، ما يعني فقدان الدولة لأي سيطرة على الجودة أو الأسعار.

الأرقام تكشف حجم الاعتماد
في عام 2023، شكّلت الإمارات ما يقارب 27% من صادرات السودان (حوالي 994 مليون دولار)، وبدورها كانت مصدر 861 مليون دولار من الواردات. أما الذهب فلوّث الموقف أكثر — إذ استوردت الإمارات رسمياً 2.29 مليار دولار من الذهب السوداني في 2022، دون حساب التهريب الكبير الذي يضاعف هذه القيمة. هذه الأرقام تكفي وحدها لتوضيح حجم الصدمة الاقتصادية إذا أُغلق هذا الشريان التجاري.

أثر القرار على ميزان المدفوعات
ميزان المدفوعات في السودان، الذي يعاني أصلاً من عجز مزمن، سيتعرض لضربة مزدوجة: انخفاض حاد في الصادرات، وارتفاع مفاجئ في الطلب على النقد الأجنبي لتغطية الواردات عبر طرق بديلة أكثر كلفة. النتيجة المتوقعة هي اتساع العجز، وارتفاع سعر الدولار، وتسارع التضخم لمستويات غير مسبوقة. أي أن القرار لا يضرب التجارة فقط، بل يهز الاستقرار النقدي الهش، ويفقد الجنيه السوداني ما تبقى من قيمته في السوق.

الأثر على المواطن
النتيجة المباشرة على المواطن ستكون كارثية:

ارتفاع تكلفة النقل الداخلي فوراً بسبب ندرة الوقود، ما يرفع أسعار السلع الغذائية والخدمات.

المستهلك النهائي سيدفع ثمن البضائع الرديئة، سواء في الغذاء أو الدواء أو مستلزمات الحياة اليومية.

المغتربون في الإمارات، الذين كانوا يرسلون تحويلاتهم بسهولة، سيواجهون عراقيل بنكية أو قيود تحويل، مما يقلص تدفق العملة الصعبة إلى الداخل.
وهكذا يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة: ندرة → ارتفاع أسعار → تضخم جامح → زيادة الطلب على الدولار → ارتفاع جديد في الأسعار. وفي غياب إنتاج محلي قادر على سد الفجوة، تتحول هذه الحلقة إلى سجن اقتصادي لا يمكن الخروج منه إلا بإصلاح سياسي وأمني شامل.

كيف يرانا العالم؟
هذه القرارات لم تكن لتحدث لولا الصورة التي رسمتها الحرب عن السودان في الخارج: دولة غارقة في نزاع دموي، عاجزة عن حماية وحدتها أو فرض سيادتها، ومتخبطة في إدارة ملفاتها الداخلية والخارجية. قرارات العفو عن شخصيات مثيرة للجدل مثل “كيكل” أرسلت رسائل سلبية عن جدية الحكومة في فرض سيادة القانون، في وقت يفترض فيه أن تبني الثقة داخلياً وخارجياً.

تناقضات فاضحة
تتحدث الحكومة عن “الحرب على الدعم السريع”، لكن قوات الدعم نفسها ما زالت تقاتل في اليمن ضمن “عاصفة الحزم” تحت راية التحالف الذي تشارك فيه الإمارات. أي رسالة يمكن أن تصل للخارج هنا؟ هذا التناقض وحده كافٍ لنسف أي خطاب رسمي يزعم الحزم أو السيادة.

تفكك داخلي وخطاب إقصائي
في الداخل، تُمزّق الوحدة الوطنية بخطاب عنصري وقوانين مثل “الوجوه الغريبة” التي تعمق الشروخ وتشرعن الإقصاء. الأسوأ أن الحكومة لم ترفض بشكل قاطع الدعوات الانفصالية أو حتى المطالب بالانضمام لدول أخرى، وكأن وحدة التراب السوداني قضية ثانوية أو قابلة للتفاوض.

غياب الموقف الخارجي الفاعل
في الخارج، يعاني السودانيون في بعض الدول من معاملة مهينة، دون أن تكلف الحكومة نفسها عناء إصدار موقف قوي أو استخدام أدوات الدبلوماسية لحماية مواطنيها. الرسالة واضحة: كرامة المواطن ليست ضمن الأولويات.

تصريحات بلا أفعال
تصريحات بعض قادة الجيش التصعيدية تكشف عن تناقض تام بين القول والفعل. لو كانت هذه التصريحات تعكس إرادة سيادية حقيقية، لكانت القرارات المصيرية تصدر بختم سوداني لا كرد فعل على خطوات خارجية.

الخاتمة التحذيرية
ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، بل انهيار مُبرمج يسير بخطى ثابتة نحو قاع لا قاع له. الإمارات قد تكون أول من يغلق الباب، لكن أبواباً أخرى ستُغلق تباعاً إذا استمر العناد، وسيجد السودان نفسه معزولاً بالكامل، بلا ميناء، بلا طيران، وبلا أصدقاء. عندها لن تكون الأزمة في ندرة الوقود أو القمح فحسب، بل في ندرة الأمل ذاته. ومن يظن أن الشعب قادر على الصمود إلى ما لا نهاية، فهو إما لا يفهم التاريخ أو يستهين بقدرة الجوع على إسقاط أعتى الحكومات.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com