منال علي محمود: من الذي قطع ذنب الوزغ يا سناء حمد؟

176
منال على محمود

منال علي محمود
[email protected]
في تسريبات شاهد على العصر، لم يتردد علي عثمان محمد طه، الرجل الثاني في نظام الإنقاذ، في الاعتراف بأن الإسلامويين “سيطروا على مفاصل الدولة بما فيها القوات المسلحة”، محولين جيش الوطن إلى أداة لحزبهم ومشروعهم الإيديولوجي. ومنذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، دخلت المؤسسة العسكرية السودانية في مسار انحراف خطير. فـ(قوات الشعب المسلحة) التي كان يُفترض أن تكون حصناً للوطن، تحولت إلى ذراع للحركة الإسلاموية، اختزلت الدولة كلها في مشروعها الخاص.

وعلى مدى ثلاثة عقود، تضخمت الأذرع الإسلاموية داخل الجيش كالأخطبوط، تمددت في الرتب والوظائف، حتى صار الولاء الحزبي أهم من الكفاءة والانتماء الوطني. جاءت ثورة ديسمبر وفتحت كوة في جدار الصمت، لكنها لم تقتلع الجذور، بل اكتفت بوضع بعض الرؤوس في السجن، فيما ظل الجسد يتحرك في الظل.

هنا يكتسب مشهد (تحقيق الإسلاموية سناء حمد مع قادة الجيش) دلالته العميقة. فكيف لرمز من رموز الإنقاذ أن يقف في موقع المحقّق، والضباط الكبار في موقع المتهمين؟ كانت أسئلتها اتهامية، تحمل غضب الجماعة أكثر مما تحمل حرصاً على الحقيقة. بدا المشهد كله وكأنه (محكمة باطنية)، تحاكم الجيش لأنه تجرأ على حبس (الرؤوس) بينما ترك الجسد سليماً.

لكن الحقيقة أن التخلص من أخطبوط الإسلامويين وأذرعه المتجذرة داخل المؤسسة العسكرية لن يتم بإقالات لايفاتية لوجوه معروفة للشعب بمواقفها من هذه الحرب العبثية. فالإسلاموي الذي يرتدي (الميري) ليس وحده المشكلة؛ بل العقلية، والشبكات، والولاءات، وكل ما حوّل الجيش إلى ساحة صراع حزبي.

لقد جرّب البرهان (قطع ذنب الوزغ)، فأقال ضباطاً محسوبين على التيار الإسلاموي، لكن الوزغ يواصل الحركة بذنب مقطوع، يلهي خصومه بحركاته بينما يبقى الجسد حيّاً. هذه الحرب نفسها هي أوضح دليل: حرب بلا معنى، بلا أفق، حوّلت الخرطوم إلى ضاحية تشبه (تشرنوبل)، مدينة أشباح تعج بالبيوت المهدمة والجسور والمصانع المدمرة.

من الذي اتخذ قرار قصف المدنيين، تدمير المصانع، نسف الكباري، مسح البنى التحتية؟ من الذي قرر أن يكون السودان مسرحاً لتجريب القوة المميتة ضد شعبه، بذريعة الغضب على الحواضن؟ أسئلة بلا إجابة، لأن متخذ القرار يختبئ خلف الحرب ويترك الشعب ليتحمل الفاتورة.

لقد كان اسمها (قوات الشعب المسلحة)، لكنها اليوم تحوّلت إلى (قوات مسلحة بلا شعب). شعبها الذي كان يُفترض أن تحميه صار هدفاً لصواريخها، وبيوته التي كان يُفترض أن تدافع عنها صارت مدمرة بفعل مدافعها، ومدنه التي كان يجب أن تبقى آمنة تحولت إلى ساحات حرب.

جيش بلا شعب لا ينتصر، مهما ادعى القوة. والجيش الذي ينفصل عن أهله يصبح مجرد ميليشيا كبيرة، يرفع الشعار ويفقد المعنى. ومنذ أن ابتلعه المشروع الإسلاموي في 1989، وهو يبتعد عن الشعب خطوة بخطوة، حتى وجدنا أنفسنا اليوم أمام مؤسسة فقدت شرعيتها الأخلاقية والوطنية.

ولهذا، لا قيمة لإقالات شكلية ولا لـ(قطع ذنب الوزغ)، إن لم يعد الجيش إلى أصله: (قوات الشعب المسلحة)، جيش الوطن لا جيش الحزب، جيش يحمي لا يقتل، ويبني لا يهدم. جيش لا يسمح بأن تتم خياطة زيه بالكوفيه، أو ارتداؤه لشتم الجيران، أو وضع دول تحت (بوته). جيش ليست به مياعة حزبية أو نزعة عنصرية، وإن أراد إرسال رسالة يفعل ذلك دون الحاجة إلى (حكامات) تتحدث باسمه. جيش لا نعود إلى تاريخه فنقول (كييييف كانت وكيييييف صارت)؛ بل نراه في الحاضر والمستقبل كما يجب أن يكون جيش الشعب والوطن.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com