الأستاذ حسب النبي يكشف خفايا الحرب في السودان: السلطة، السيطرة على الجيش، ومستقبل الثورة في حوار حصري مع بلو نيوز الاخبارية

261
حسب النبي محمود

في خضم العاصفة التي تضرب السودان، حيث تتشابك الحرب مع الصراعات السياسية وتتلاشى التحالفات القديمة وتولد أخرى جديدة، يبقى السؤال الأكبر: إلى أين يتجه هذا البلد الذي طالما شكل مفترق طرق للقوى الإقليمية والدولية؟ في هذا الحوار الاستثنائي، تستضيف صحيفة بلو نيوز الإخبارية الأستاذ حسب النبي محمود حسب النبي، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية وعضو الهيئة القيادية في تحالف السودان التأسيسي – “تأسيس”، لنغوص معه في أعماق الأزمة السودانية، ونفكك شيفرات المشهد المعقد، ونستشرف آفاق المستقبل في بلد يتأرجح بين الانهيار وفرص التغيير.

 

الى مضابط الحوار:

الجزء الاول

 

الأستاذ حسب النبي، لنبدأ من الجذور .. حركة/ تحرير السودان الديمقراطية، ما الذي دفعكم لتأسيسها في المقام الأول؟ وما هو “المشروع السياسي” الذي تحمله هذه الحركة والذي تعتقدون أنه يختلف جوهرياً عن الطروحات السياسية الأخرى في الساحة السودانية؟

بعد اندلاع الحرب الحالية في ١٥ أبريل، برز تياران داخل حركة تحرير السودان بقيادة الرفيق مني أركو مناوي: التيار الأول من قيادة الإسلاميين داخل مؤسسات الحركة، وكان لهم موقف مؤيد من حيث المبدأ لأن تكون الحركة جزءًا من معسكر الجيش. والتيار الآخر يؤمن بمشروع الثورة وله موقف واضح من ضرورة عدم الانحياز لأي طرف من أطراف الحرب في السودان، وهدفهم الاستراتيجي التمسك بمشروع التغيير في السودان.

ولكن في نهاية المطاف، استطاع تيار الإسلاميين داخل الحركة زجّ الحركة في الصراع وإقناع رئيس الحركة بضرورة فك الحياد وتأييد الجيش السوداني. وبعد أن أعلن رئيس الحركة مني أركو مناوي فك الحياد والانحياز إلى الجيش فورًا، تجمّع التيار الديمقراطي داخل مؤسسات الحركة بالداخل والخارج وأصدرنا فورًا في يوم ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣ بعد أسبوع من تأييد رئيس الحركة للحرب وفك الحياد بيانات تؤكد انحيازنا للثورة والتغيير في السودان، وأن قرار رئيس الحركة المنحاز للجيش السوداني لا يمثل قيادة الحركة وجماهيرها، وإنما يمثل تيار الإسلاميين داخل الحركة. وأكدنا على عدم انحيازنا لأي طرف من الأطراف، وجددنا مناشدتنا لأطراف الصراع آنذاك بضرورة إيقاف الحرب في البلاد. وأعلنا بأننا سنستمر في مشروع الحركة لكن بفلسفة مختلفة تتماشى مع أهداف الثورة والمشروع العلماني الديمقراطي الذي طرحته الحركة منذ نشأتها الأولى.

“أسسنا حركة تحرير السودان الديمقراطية للتمسك بمشروع التغيير الثوري والعلماني، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف في الحرب. هدفنا تأسيس دولة فيدرالية تحترم التعدد والتنوع، وتضمن المساواة بين شعوب السودان، مع استمرار الحركة في الدفاع عن الثورة والفلسفة الديمقراطية التي انطلقت بها منذ البداية.”

وفي ١٤ ديسمبر ٢٠٢٣ بعد مراجعات وتقديم أوراق مهمة في الشأن السياسي والتنظيمي، في اجتماع مهم لقيادة الحركة، تم فيه تغيير اسم الحركة من “حركة تحرير السودان” إلى “حركة تحرير السودان الديمقراطية”، وتم انتخاب هيئة قيادية جديدة من ١١ عضواً بعد مشاورات بين أعضاء الهيئة القيادية. وفي ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٣م تم انتخابي رسميًا رئيسًا للحركة، وتم انتخاب كافة أعضاء المكتب التنفيذي.

أما مشروع الحركة، فنحن نطرح مشروعًا اسمه “مشروع التحرير الديمقراطي”، وهو مشروع علماني ديمقراطي يعمل من أجل التأسيس لدولة فيدرالية في إطار التعدد والتنوع. ونحن من أول المبادرين في التأكيد على ضرورة أن تكون الدولة المقبلة هي دولة علمانية لا تميّز بين شعوبها. وهذا الأمر أنا طرحته في الاجتماعات الأولى التمهيدية للقوى السياسية التي أسست التحالف الحالي في شهر فبراير ٢٠٢٥.

 

تتحدثون عن “رؤية سياسية” و”برنامج سياسي” .. هل يمكن أن تترجموا هذه المصطلحات إلى لغة المواطن البسيط؟ بكلمات واضحة، ما هو شكل الدولة التي تحلمون بها، وكيف سيلمس المواطن العادي أثر برنامجكم في حياته اليومية؟

نحن نعتقد أن السودان منذ الاستقلال أُدير بشكل أحادي لا يمثل التعدد الديني والثقافي في البلاد. وإعلان السودان جمهورية إسلامية عربية عقد المشهد السياسي العام أكثر من اللازم، وساهم في حروب لم تنتهِ آثارها بعد، وساهم في بروز التيار الإسلامي المتطرف الذي كان يسعى لتأسيس إمارة إسلامية كما هو حاصل الآن في أفغانستان من قبل مجموعة طالبان الإرهابية.

لذا نحن في حركة/ تحرير السودان الديمقراطية نسعى لنظام مدني ديمقراطي يحترم التاريخ الحاضر والمعاصر للشعوب السودانية، وأن تكون الحكومة وسيلة لتحقيق الحياة الكريمة للشعب وتطوير البلاد. ونسعى من خلال رؤية الحركة لتحقيق السلام الاجتماعي والسياسي في البلاد عبر كافة الوسائل المتاحة. ونعتقد الآن، بالرغم من الظروف القاسية التي تمر بها البلاد، أننا ماضون في الاتجاه الصحيح من أجل بناء دولة مستقرة ومزدهرة بالتنوع السياسي والثقافي.

 

من شرارة الثورة التي أطاحت بنظام البشير إلى نيران الحرب المشتعلة اليوم، يبدو المشهد وكأنه “ثورة مضادة” .. هل ترون أن حرب 15 أبريل هي انتقام الإسلاميين من الثورة التي أسقطتهم، أم أن هناك عوامل أخرى أدت إلى هذا الانهيار؟

المشكلة التاريخية في البلاد التي تتعلق بعدم التوزيع العادل للثروة والسلطة، ومركزية الدولة والموارد والتعليم وغيرها، هي مشكلة قائمة قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة. أما الإسلاميون، بسلوكهم الهمجي وأفكارهم الأحادية المتطرفة، فقد جعلوا من أنفسهم أول تنظيم يرتكب جريمة إبادة جماعية في السودان.

طبعًا للإسلاميين دور كبير في إشعال الحرب الحالية، وكان لهم المقدح المعلى فيها، عبر مواقفهم المعلنة والصفرية من نظام ثورة ديسمبر وقيادتها، وقادوا ثورة مضادة كانت نهايتها الحرب الطاحنة الحالية. لكن فعلاً الحرب في السودان كانت سوف تندلع بشكل أو بآخر؛ لأن العقلية التي سيطرت على السلطة منذ الاستقلال لا ترى في السودانيين خيرًا، بل تراهم فقط مواطنين مثل “البقرة الحلوب” يمدون الدولة والنظام بالموارد من دون عائد من النظام المركزي في الخرطوم.

“المعاناة في السودان ليست وليدة اليوم، بل نتاج تاريخ طويل من المركزية وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة. الإسلاميون أسهموا في تصعيد النزاعات، لكن عقلية السلطة التي ترى المواطن مجرد مصدر موارد بلا حقوق، هي السبب الأساسي لاستمرار الحروب والانقسامات في الجنوب ودارفور والهامش السوداني.”

وتضاعفت المعاناة في الهامش السوداني بسبب هذه السياسات الإقصائية، وعندما طالبت الشعوب بحقوقها، تمت محاربتها بآليات الدولة وخطابها وكل ثقلها الاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما حدث فعليًا في حرب الجنوب التي كانت تعتبر شبه مقدسة عند الشماليين المسلمين العرب، ومن ثم حرب دارفور التي تم فيها تقسيم المواطنين الدارفوريين إلى “زُرقة” و”عرب”. وهذا المبدأ الذي يؤمن بالحرب كوسيلة من أجل الانفراد بالسلطة لم ينتهِ بعد. لذلك عندما قامت الحرب بين الجيش والدعم السريع، فورًا تم تصنيف الدعم السريع بأنهم مرتزقة وعرب شتات. هذه هي عقلية الخرطوم التي لم تتغير لأكثر من سبعة عقود من استقلال السودان.

 

بعد أكثر من عامين من الدمار، من برأيكم يقف في قفص الاتهام كالمسؤول الأكبر عن جر البلاد إلى هذه الهاوية؟ وهل نحن اليوم أمام “دولة فاشلة” بكل معنى الكلمة، أم أن هناك بصيص أمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

من يتحمل المسؤولية هو البرهان، الذي قام بتسليم قيادة الجيش للإسلاميين وهو يرى ويسمع بتهديدهم لحكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، ولكن لم يفعل شيئًا. وموقفهم من الاتفاق الإطاري الذي أيّده البرهان كان معروفًا. لكن البرهان هو شخصيًا – أقل ما يوصف به – أنه كذوب، ويمثل العقلية الرجعية الراديكالية في السياسة السودانية التي لا ترى في أي مشروع قومي سوى مكاسبها الذاتية.

“المسؤولية الكبرى تقع على البرهان الذي سلّم قيادة الجيش للإسلاميين ولم يحرك ساكنًا أمام تهديدات الثورة. السودان اليوم يواجه خطر الدولة الفاشلة، وأمل شعبه مرتبط بنجاح حكومة ‘تأسيس’، التي تمثل آخر فرصة للحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها، وتوجيه الثورة نحو تحرير السودان.”

السودان  بكل أسف يصنف الان دولة فاشلة بسبب حروب الجيش ضد الشعوب السودانية الأصيلة ونحن في “تأسيس” نعمل عبر التحالف والحكومة من أجل إنقاذ البلاد؛ لأن البرهان والإسلاميين إذا لم نقف أمامهم سوف يرتكبون جرائم حرب وإبادة في البلاد ضد الشعوب السودانية في الأطراف. وأمل البلاد وشعبها مربوط بنجاح حكومة تأسيس؛ لأن هذه – في تقديري – آخر فرصة من أجل الحفاظ على وحدة وسلامة البلاد من التقسيم، وتوحدت فيها بندقية الثورة من أجل تحرير السودان.

 

يقال إن “الدولة العميقة” لنظام المؤتمر الوطني ما زالت هي من تحرك خيوط المؤسسة العسكرية .. إلى أي مدى تتفقون مع هذا الرأي؟ وهل قائد الجيش مجرد واجهة، بينما الإسلاميون هم اللاعب الحقيقي الذي يدير هذه الحرب من خلف الستار؟

الدولة العميقة هي في المشهد العام ممثلة في الإسلاميين أنفسهم. والبرهان قائد الجيش محسوب على تيار علي كرتي وأسامة عبد الله الذي أشعل الحرب في السودان. وهؤلاء يمثلون أخطر تيار للإسلاميين في السودان؛ لأنهم يملكون فصائل مسلحة، وأبرزها: مليشيا البراء بن مالك، وقوات العمل الخاص، والدفاع الشعبي. هؤلاء تتم إدارتهم بشكل مباشر من قبل علي كرتي وأسامة عبد الله، وهم في أتم الاستعداد لارتكاب أي جريمة في سبيل عودة الحركة الإسلامية إلى السلطة.

 

كتائب البراء والإسلاميين المتشددين، ولاؤهم للتنظيم وليس للدولة ويعملون خارج التسلسل العسكري التقليدي. إذا انتهت الحرب، هل سيتم دمجهم في الجيش أم سيستمرون كخلايا مسلحة تهدد أمن السودان والإقليم؟

الإسلاميون الذين يقاتلون مع الجيش مقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين: المجموعة الأولى تتشكل من وسط وشمال السودان، وتحديدًا أبناء القبائل العربية الذين يدينون بالولاء للحركة الإسلامية، وهؤلاء هم مجموعة البراء الإرهابية. وكان معظم قيادات هذه المجموعة في السابق في جهاز الأمن والمخابرات، وتحديدًا هيئة العمليات، وآخرين في الدفاع الشعبي.

“الإسلاميون في الجيش مقسمون بين مجموعة البراء من وسط وشمال السودان و’قوات العمل الخاص’ من كردفان ودارفور، ولاؤهم للتنظيم وليس للدولة. لن يمكن إبعاد هذه المليشيات من الجيش والمشهد السياسي إلا بانتصار قوات ‘تأسيس’ وتحرير البلاد من الفلول، وإلا ستظل المؤسسات تحت سيطرتهم.”

أما المجموعة الثانية، فهم إسلاميون من كردفان وقليل منهم من دارفور، يسمون أنفسهم “قوات العمل الخاص”، وهؤلاء إسلاميون أيضًا لكن لم يجدوا أنفسهم في قيادة البراء. وهذا نسخة مستحدثة من مفاصلة الإسلاميين إلى “شعبي” و”وطني” وهكذا.

أعتقد أن مليشيات الإسلاميين لن يستطيع أحد إبعادها من الجيش والمشهد السياسي إلا في ظل انتصار قوات “تأسيس” وتحرير البلاد من الفلول. دون ذلك، لن يستطيع البرهان ولا أي أحد إبعادهم من مؤسسات الجيش والأمن.

 

الاتهامات للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين ظهرت بشكل خاص في دارفور .. منظمة العفو الدولية أصدرت تقريراً مفصلاً في عام 2016 بعنوان “الأرض المحروقة والهواء المسموم”، وثقت فيه هجمات يعتقد أنها كيميائية شنها الجيش السوداني في منطقة “جبل مرة” بدارفور، مما تسبب في مقتل وإصابة مئات المدنيين بأعراض مروعة، وتجددت هذه المخاوف مع تقارير عن استخدام أسلحة مشابهة في بعض مناطق الخرطوم في حرب 2023، وهي اتهامات دفعت واشنطن لفرض عقوبات ضد الجيش والتلويح بما هو أشد.

  • كيف تقرأون هذه التطورات؟ هل هي دليل يأس من جيش يخسر على الأرض، أم أنها استراتيجية ممنهجة لإخضاع المجتمع وإطالة أمد الحرب بأي ثمن؟
  • بالنظر إلى السجل التاريخي للجيش السوداني في استخدام أسلحة محرمة في دارفور، هل تعتقدون أن العقوبات الدولية الحالية كافية لردعهم، أم أن المجتمع الدولي يحتاج إلى آليات تحقيق أكثر صرامة ومحاسبة مباشرة في محكمة الجنايات الدولية؟

الجيش السوداني لا ينتمي لكافة السودانيين؛ فهو مؤسسة تسعى لتجنيد أبناء السودان تحت قيادة نخب عسكرية أيديولوجية وثقافية تنتمي ثقافيًا إلى مجموعات عرقية من وسط وشمال السودان. وأيديولوجيًا، يدينون بالولاء للمجموعات السياسية التي تسيطر على السلطة في الخرطوم.

في عهد نميري، كان معظم قادة الجيش اشتراكيين، موزَّع ولاؤهم بين الناصريين والزملاء الشيوعيين والبعثيين. بعد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة عبر الانقلاب، أصبح معظم قادة المؤسسات الأمنية إسلاميين، وهم في تماهٍ تام معها.

“الجيش السوداني لا يمثل كل السودانيين، بل يخضع لنخب عسكرية وأيديولوجية من وسط وشمال السودان. ارتكب إبادة جماعية واستخدم أسلحة كيميائية في دارفور ومناطق أخرى، والعقوبات الدولية لن تكفي. يجب على المجتمع الدولي القبض على البرهان وتقديمه للعدالة الجنائية الدولية فورًا.”

عندما قال البرهان للراستات والواقفين قنا (وكان يريد أن يجد تأييدًا مؤقتًا في وسط شباب الثورة)، والآن بعد الحرب قال: “المجد للبندقية”، وكل قادة الثورة بين قتيل ومشرد.

الجيش السوداني ارتكب إبادة جماعية في دارفور، واستخدم سلاحًا كيميائيًا في دارفور في جبل مرة، واستخدم نفس السلاح ضد قوات الدعم السريع في سنار والجزيرة والخرطوم وأم درمان. وبموجب ذلك، تم فرض عقوبات على البرهان من قبل وزارة الخزانة الأمريكية.

ولكن هذه العقوبات لن تمنع البرهان من ارتكاب إبادة جماعية أخرى في أي مكان في السودان إذا وجد سبيلاً إلى ذلك. لذا، يجب على المجتمع الدولي القبض الفوري على الفريق البرهان وتقديمه إلى العدالة الجنائية الدولية.

 

تاريخياً، كان تجنيد الأطفال وصمة ارتبطت بالنزاعات في أطراف السودان، ومارسته الحكومات المتعاقبة والحركات المسلحة على حد سواء، واليوم، نشهد عودة هذه الجريمة بشكل مكثف في قلب السودان من قبل الجيش .. برأيكم، ما الذي يعنيه انتقال هذه الظاهرة من الهامش إلى المركز؟، وهل هو مؤشر على أن الجيش السوداني قد تخلى عن كل الخطوط الحمراء، وبات مستعدا لإحراق جيل بأكمله في سبيل حسم المعركة؟

الجيش السوداني يعاني نقصًا حادًا في الجنود؛ لأن السودان – كما تحدثت سابقًا – مقسَّم إلى مناطق سيطرة مجموعات اجتماعية: بعضها يقدّم القادة، وأخرى تقدم الجنود. المجموعات التي تُحسَب على أنها تقدم الجنود، مثل شعوب دارفور وجبال النوبة وكردفان، هم الآن تحرروا فعليًا وفي حرب مع الصفوة العسكرية المركزية التي لا تملك سوى القادة العسكريين.

“الجيش السوداني يعاني نقصًا حادًا في الجنود، مما دفعه لتجنيد الأطفال واستخدامهم في الحرب، دون اعتبار للضحايا. والحل السياسي شبه مستحيل، لأن البرهان غير مستعد للسلام، ما يفرض على قوات ‘تأسيس’ تجهيز الجيوش الوطنية من أجل اقتلاع الإسلاميين والبرهان وتأمين مستقبل السودان.”

وهذا الأمر هو الذي دفعهم إلى تجنيد الأطفال واختطافهم من أجل الزج بهم في الحرب. والجيش لن يهتم بعدد الضحايا، سواء كانوا من أفراده أو من الشباب السوداني.

 

في ظل هذا المشهد الدموي، هل ما زال الحديث عن “حل سياسي” واقعياً؟ أم أن لغة السلاح أصبحت هي اللغة الوحيدة المفهومة، وأن “الحسم العسكري” هو الطريق الوحيد لإنهاء هذه الحرب، بغض النظر عن كلفته؟

الحل السياسي صعب جدًا لأن الطرف الآخر (البرهان) لا يملك الإرادة اللازمة. وبحكم انتمائه لمجموعة علي كرتي التي أشعلت الحرب، أصبح الآن أكثر تماهيًا من كافة الأطراف المؤيدة للحرب في السودان. وهذا يجعل مسألة الحل السياسي تكاد أن تكون معدومة في الوقت الحالي. لم يترك لنا أي خيار آخر خلاف العمل وتجهيز الجيوش الوطنية من أجل اقتلاع الإسلاميين والبرهان من السودان.

 

 بالنظر إلى تمكين الإسلاميين داخل الجيش منذ 1989، هل تعتقد أن إصلاح المؤسسة العسكرية ممكن دون تفكيك الشبكات الأيديولوجية المتجذرة داخلها؟

إصلاح المؤسسة العسكرية لن يحدث. مشكلة الجيش السوداني معقدة: أولاً، هذا الجيش مقسوم بين طائفة القيادة وطائفة الجنود، وهذا التقسيم اجتماعي وجغرافي، والوضعية الأمنية تأسست هكذا منذ الاستعمار.

“إصلاح الجيش السوداني مستحيل دون معالجة الانقسامات الاجتماعية والأيديولوجية المتجذرة داخله. الإسلاميون استحوذوا على المؤسسة، مما يستدعي حل الجيش وتسريح منسوبيه بالكامل، وإعادة تأسيس مؤسسة عسكرية وطنية جديدة تحمي السودانيين بدلاً من القتل والحكم، وفق أسس ومعايير تتماشى مع طموحات الشعب.”

المرحلة الثانية هي اختطاف الإسلاميين للجيش السوداني، مما جعل المؤسسة العسكرية من ناحية أيديولوجية خاضعة لهم بشكل كلي. بالتالي، نحن نرى ضرورة حل الجيش السوداني وتسريح منسوبيه بشكل كامل، وإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية الوطنية بأسس ومعايير جديدة تتماشى مع طموح السودانيين وتعمل من أجل حمايتهم، لا قتلهم أو حكمهم، كما سعى الجنرالات السابقون الذين حكموا البلاد لفترة طويلة عبر الانقلابات العسكرية.

 

الجزء الثاني ينشر يوم غدا الخميس 4 سبتمبر 2025.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com