الأسلحة الكيميائية في السودان: أدلة دامغة على استخدام الجيش لها!!

243
الكيماوي

لم تعد الخرطوم مدينة الحياة والأنس، حيث اعتاد الناس أن يستيقظوا على أصوات الباعة وروائح القهوة في الأسواق الشعبية. اليوم، تحولت العاصمة السودانية إلى مسرح للموت الصامت، وغبار غريب يملأ الأجواء، رائحة خانقة تلتصق بالأنفاس، وأحياء كاملة غمرها الصمت بعدما رحل عنها سكانها إما إلى المقابر أو إلى معسكرات النزوح، ووسط هذه الكارثة، تتكشف شهادات صادمة تكشف أن ما يجري ليس مجرد حرب بالرصاص والقنابل، بل حرب بالغازات السامة والأسلحة الكيميائية التي تفتك بالأجساد وتلوث الأرض والهواء والماء.

 

الخرطوم – بلو نيوز الاخبارية

تصريحات عسكرية مثيرة للجدل

في مقطع متداول أواخر العام الماضي، ظهر رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مخاطبًا جنوده؛ “لا تقلقوا .. سنهزم قوات الدعم السريع إما أن يتراجعوا عن الخرطوم، أو سنستخدم القوة المميتة.”

لاحقاً فسرت هذه العبارة كإشارة مبطنة إلى احتمال اللجوء لأسلحة محرمة دوليا، وفي 24 أبريل 2024، أعلنت الحكومة الأمريكية رسميا أن الجيش السوداني استخدم بالفعل أسلحة كيميائية في الحرب، لتفرض واشنطن بعدها عقوبات مباشرة في مايو، وفي أكتوبر من العام نفسه، أكد الفريق ياسر العطا، الرجل الثالث في هرم القيادة العسكرية، خلال خطاب لقواته في قاعدة كرري بأم درمان؛ “سنستخدم أكبر قدر ممكن من القوة الخفية التي يسمح بها القائد”، وهذه التصريحات عززت القناعة بأن ما يحدث في السودان يتجاوز حدود الحرب التقليدية.

محاولات إنكار وتستر رسمي

في ورشة تدريبية ببورتسودان، صرحت الدكتورة منى علي محمد، الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة، أن الخرطوم تعرضت لتلوث كيميائي “خطير” بسبب استهداف قوات الدعم السريع للمصانع. لكن روايتها وُوجهت بسخرية واسعة، إذ أشار مراقبون إلى أن المصانع كانت قد دُمرت في الشهر الأول من الحرب بفعل غارات جوية نفذها الجيش نفسه.

ووصف ضابط متقاعد (ع.أ)، حديثها بأنه مشاركة في الجريمة، مؤكدًا أن زملاء سابقين في الجيش أبلغوه بوقائع محددة لاستخدام الأسلحة الكيميائية في الخرطوم ودارفور.

الخرطوم خارج الخدمة

كان من المقرر إعادة تأهيل العاصمة لإعادة المؤسسات الحكومية، وأُوكلت المهمة للفريق إبراهيم جابر. لكنه بعد زيارة للخرطوم في يوليو 2024، أصدر قرارًا بإغلاق وسط المدينة ونقل الوزارات والقصر الرئاسي إلى مواقع بديلة. شهادات ميدانية أكدت أن مناطق واسعة من وسط الخرطوم – من شارع النيل شمالًا حتى حديقة القرشي جنوبًا أصبحت غير صالحة للسكن بفعل القصف بأسلحة محرمة، تاركة العاصمة “مدينة ميتة” يطوقها الصمت والخوف.

فاطمة، وهي أم لثلاثة أطفال من حي شرق النيل، قالت “ابني الأوسط استيقظنا في ليلة يوم الأربعاء من شهر يوليو الماضي، وكان يشكي من ضيق في التنفس والام في الصدر، وذهبنا به صباح الخميس الى العيادة وطلعت نتيجة الفحوصات نظيفة، واخدنا مسكنات، ورغم ذلك الأطباء قالوا لنا إن أعراضه ليست طبيعية.

سارة طالبة جامعية من منطقة بري، كنت مع أسرتي في البيت عندما سقط صاروخ قريب في 18/2/2024، ولم ينفجر كالمعتاد، بل تسبب في غبار كثيف، وشعرت بحرقة في عيني وبثور على بشرتي بعد ساعات قليلة، لم نعد نشك ان الصاروخ لم يكن سلاحا عادياً، اما الحاج الطيب، قال بعد القصف الأخير حاولت العودة إلى دكاني في سوق بري، ولم أستطع البقاء أكثر من دقائق، شعرت بدوار شديد وضيق في التنفس، والتقيت بأحد الجيران، قال لي إن ثلاثة من أقاربه ماتوا فجأة بعد عودتهم إلى منزلهم هناك، بسبب الكوليرا حسب التشخيص، الا ان هنالك شكك ان السبب لم يكن الكوليرا وانما مرض غامض لم يتم تشخيصه بعد، وفي احاديث متداولة عن ان المكان مسموم، والجيش يعرف ذلك ولهذا منعوا المواطنين من التواجد في تلك المنقطة.

آثار قاتلة على الجنود والمدنيين

أعضاء سابقون في قوات الدعم السريع رووا للجنة تحقيق مستقلة في نيالا أن رفاقًا لهم أصيبوا بشلل مفاجئ وفقدان كامل للحركة أثناء تمركزهم في القصر الجمهوري، قبل انسحابهم في مارس 2025.

مصادر طبية متقاعدة أكدت أن الجيش تعمد التستر على هذه الحقائق عبر مبادرات رمزية، مثل دعوة تجار لإعادة فتح متاجرهم في شارع الحرية، لكن سرعان ما اختفوا بسبب استحالة العيش في بيئة ملوثة.

دارفور .. القنابل التي تنشر الموت

دارفور، التي أنهكتها الحروب لعقود، شهدت الوجه الأكثر دموية لهذه الحرب. القصف الجوي لم يقتصر على قتل المدنيين، بل استهدف أيضًا الآبار والمراعي.

أحد شيوخ الزيادية في بلدة كوما شمال دارفور وصف المشهد قائلًا: “مات الناس واقفين. الحيوانات أصيبت بالعمى، والآبار تلوثت بالرماد الأسود. لم نر شيئًا كهذا من قبل.”

الناشط موسى مرح أضاف أن المدينة شهدت وفيات مفاجئة وأعراضًا غريبة مثل البثور الجلدية وفقدان البصر بين المدنيين والحيوانات. إحصاءات محلية أشارت إلى تعرض كوما لـ 173 غارة جوية أودت بحياة مئات المدنيين وأبادت آلاف الماشية.

مليط .. الإجهاضات الغامضة

في مليط شمال دارفور، سجل الأطباء ارتفاعًا غير مسبوق في حالات الإجهاض. الدكتور محمد علي مسبال، مدير مستشفى المدينة، أكد أن العشرات من النساء فقدن حملهن “دون أي سبب طبي واضح”، مرجحًا أن يكون الأمر مرتبطًا بالقصف بأسلحة تحتوي على مواد كيميائية.

الموقف الدولي .. إدانة وعقوبات

في 24 أبريل 2024، أعلنت واشنطن بموجب “قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية” أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية. تبع ذلك فرض عقوبات اقتصادية شملت قيودًا على الصادرات وخطوط الائتمان.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية تامي بروس: “ندعو حكومة السودان إلى وقف جميع استخدامات الأسلحة الكيميائية، والوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية.”

صحيفة نيويورك تايمز كشفت أن الجيش استخدم غاز الكلور مرتين على الأقل في مناطق نائية، وهو غاز يسبب أضرارًا دائمة للأنسجة البشرية.

الحاجة إلى تحقيق دولي مستقل

تتقاطع الشهادات الطبية والعسكرية والمدنية لتشكل صورة مرعبة: الخرطوم ودارفور أصبحتا ساحات اختبار لأسلحة محرمة، جلبت الموت البطيء والخراب البيئي، واليوم ومع تزايد الأدلة على هذه الجرائم، يظل المطلب الأساسي واضحًا: تحقيق دولي شفاف ومستقل لتوثيق الحقائق، محاسبة الجناة، وإنقاذ المدنيين من حرب كيميائية تُعيد إلى الأذهان أبشع صفحات التاريخ الحديث.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com