الإخوان وقود حرب السودان: كيف تقود الأيديولوجيا المتطرفة نزيف البلد نحو الهاوية

241
236700

epa07506162 Leader of Sudan's transitional council, Lieutenant General Abdel Fattah Abdelrahman Burhan attends a meeting in Khartoum, Sudan, 14 April 2019. Burhan is leading a transitional council that will rule Sudan during a two-year transition phase following the ouster of long-time President Omar al-Bashir. EPA/STRINGER

مقدمة

على مدار أكثر من عامين من الحرب الدامية التي تعصف بالسودان، برز دور جماعة الإخوان المسلمين كأحد المحركات الخفية والمهيمنة على مسار النزاع المستمر. فبينما تظهر المعارك بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع تحت قيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تكشف الأحداث اليومية أن المعركة الحقيقية هي صراع أيديولوجي وسياسي أعمق يقوده تنظيم الإخوان من خلف الكواليس، مستخدمًا الجيش كأداة لتحقيق أهدافه.

اختراق المؤسسة العسكرية وإعادة تشكيلها

منذ وصول جماعة الإخوان إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، عمل التنظيم على اختراق المؤسسة العسكرية بشكل ممنهج، حيث أسس بنى موازية مثل “الأمن الشعبي” و”الدفاع الشعبي” التي عملت على تعزيز ولاء الجنود والضباط للنظام الإسلامي بدلاً من الولاء الوطني التقليدي. هذا الاختراق أدى إلى تقويض القوة النظامية للجيش، وتحويله إلى ذراع لتنفيذ الأجندات السياسية للإخوان.

السيطرة الإخوانية على الجيش لم تقتصر على المستوى التنظيمي فقط، بل وصلت إلى تكوين كتائب مسلحة، مثل “كتيبة البراء بن مالك” التي تحولت إلى فيلق، فضلاً عن كتائب أخرى ذات توجهات جهادية متشددة. هذه الكتائب تشكل قوة موازية داخل الجيش، وتمارس نشاطًا عسكريًا وسياسيًا يشعل حربًا أهلية مضاعفة.

إدامة الحرب وتعطيل جهود السلام

رغم الدمار البشري والاقتصادي الهائل الذي تسببت فيه الحرب، تبقى جماعة الإخوان وأذرعها داخل الجيش هي القوة التي تعارض أي تسوية سياسية جادة. تصريحات قادة الجيش، وعلى رأسهم البرهان، تعكس إصرارًا على خيار الحسم العسكري، مع رفض تام للعودة إلى طاولة المفاوضات إلا بشروط استسلام طرف الدعم السريع، ما يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الصراع.

تضيف مصادر مطلعة أن الإخوان يديرون من خلف الكواليس حملة واسعة لتجييش السكان عبر خطاب ديني متطرف وتحريض طائفي وقبلي، مما يزيد من حدة الانقسامات داخل المجتمع السوداني. وللأسف، أصبحت عمليات القتل على الهوية والقتل القبلي سلاحًا تُستخدمه أطراف الصراع لإرهاب المدنيين وتشريدهم.

استخدام الأسلحة الكيماوية والجرائم ضد المدنيين

تقرير حقوقي صادر عن منظمات أممية محايدة أكد وقوع استخدام مواد كيماوية محرمة في معارك عدة، استهدفت المدنيين بصورة مباشرة. هذه الجرائم المروعة تعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات دولية، وتُلقي بظلالها السوداء على مصداقية الجيش وقادته، الذين يبدو أنهم باتوا رهائن في يد تنظيم الإخوان ومليشياته.

المؤامرات الإقليمية والتحالفات الخطرة

لا يقتصر الدور الإخواني على الداخل السوداني فقط، بل يمتد إلى عقد تحالفات مع جهات إقليمية ودولية مشبوهة، أبرزها إيران وجماعات إرهابية متطرفة، حيث يتولى عناصر بارزون مثل علي كرتي وأحمد هارون التنسيق مع قيادة الجيش، وعلى رأسها البرهان، الذي بات أسير هذه الترتيبات ولا يملك سوى تنفيذ المخططات.

هذه العلاقات أدت إلى تسهيل دخول شحنات أسلحة، بما في ذلك أسلحة كيميائية، عبر صفقات سرية ومدعومة، ما زاد من تفاقم الحرب وتعقيد الموقف الإنساني والسياسي.

تدمير الدولة وتشريد الملايين

نتيجة لهذه الأجندات الداخلية والخارجية، شهد السودان تدميرًا هائلًا في مؤسسات الدولة، وتفكيكًا منهجيًا للقوى المدنية، وتراجعًا حادًا في الخدمات الأساسية. نزح أكثر من 14 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، وفقًا للأمم المتحدة، فيما تشير تقديرات مستقلة إلى سقوط أكثر من 130 ألف قتيل.

تفاقم الوضع الصحي وانهيار البنية التحتية، إلى جانب المجاعة التي تهدد ملايين المدنيين، يجعل من الأزمة السودانية واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

التلاعب بالممتلكات العامة وألاعيب الفساد

في ظل الفوضى، استغل قادة الجيش المتحالفون مع الإخوان السلطة لتمرير صفقات مشبوهة حول أصول وممتلكات الدولة. فقد تدخل البرهان شخصيًا لإصدار مراسيم بأثر رجعي لتسجيل أراضٍ وأبراج كانت مملوكة لقيادات الحركة الإسلامية باسم القوات المسلحة، ما أثار تساؤلات عن تلاعب في إدارة الأموال العامة واستغلال الفوضى لنهب المال العام.

الدعوات الدولية لإعادة هيكلة الجيش وإنهاء النفوذ الإخواني

يرى محللون سياسيون أن الحل الوحيد لإنهاء هذه الحرب التي أنهكت الشعب السوداني هو فرض ضغط دولي قوي يدفع الجيش إلى الانفكاك من قبضة جماعة الإخوان، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بعيدًا عن الأيديولوجيا، مع فتح المجال لقيادة مدنية تراعي مصالح الشعب.

في هذا السياق، تدعو دول إقليمية وعالمية، وعلى رأسها دولة الإمارات، إلى دعم جهود السلام وإعادة بناء السودان بعيدًا عن أذرع التطرف والفساد.

التحليل السياسي: أبعاد الصراع الداخلي والإقليمي

يرتكز الصراع السوداني الحالي على عدة محاور سياسية داخلية وخارجية مترابطة:

• هيمنة الأيديولوجيا الإسلامية المتشددة: جماعة الإخوان لا تعتبر الصراع مجرد معركة على السلطة، بل تصنفه ضمن “حرب وجود” من وجهة نظرها، تستوجب القضاء على القوى المدنية الديمقراطية، والاحتفاظ بالهيمنة الدينية والعسكرية.

• التحالفات المتشابكة: التداخل بين المليشيات المسلحة، المؤسسات العسكرية الرسمية، وقوى الإسلام السياسي خلق شبكة معقدة تحركها مصالح شخصية وأيديولوجية مشتركة، ما يصعب حل الأزمة داخليًا دون تدخل خارجي فعال.

• التأثير الإقليمي والدولي: تحاول جماعة الإخوان تصدير الأزمة كصراع إقليمي عبر اتهام دول مثل الإمارات، في محاولة للالتفاف على الضغوط الدولية وإيجاد تحالفات بديلة مع إيران وجماعات متطرفة أخرى. هذا يعقد المسألة ويحول السودان إلى ساحة مواجهة إقليمية بغطاء داخلي.

• غياب الإرادة السياسية للسلام: رفض الطرف العسكري، بقيادة البرهان، التفاوض الحقيقي، واستخدام لغة “شروط الاستسلام” ضد خصومه يعكس رغبة في حسم عسكري طويل الأمد، مدعوم من أجنحة إخوانية لا تريد السلام إلا بشروط تحافظ على نفوذها.

• التجاذبات داخل الجيش: الصراع على السلطة داخل الجيش نفسه، بين قيادات متنافسة وأجنحة إيديولوجية مختلفة، يخلق حالة من عدم الاستقرار والتشتت، ويزيد من هشاشة الدولة ومؤسساتها.

أرقام وإحصائيات: حجم الكارثة الإنسانية

• ضحايا الحرب: تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أكثر من 20 ألف قتيل، لكن دراسات أكاديمية مستقلة ترفع العدد إلى أكثر من 130 ألف قتيل منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

• النازحون واللاجئون: نزح داخليًا ما يزيد على 14 مليون شخص، بالإضافة إلى مئات الآلاف الذين فروا إلى دول الجوار مثل جنوب السودان، إثيوبيا وأوغندا.

• تدهور الخدمات: أكثر من 70% من المنشآت الصحية في مناطق النزاع خارج الخدمة، ونقص حاد في الأدوية والكوادر الطبية.

• المجاعة: ملايين السودانيين يواجهون خطر المجاعة بسبب انقطاع الإمدادات الغذائية وارتفاع الأسعار، وسط انهيار البنية التحتية الزراعية.

• الاقتصاد المنهار: تجاوز معدل التضخم حاجز 300%، وتدهور قيمة الجنيه السوداني بشكل غير مسبوق، ما زاد من معاناة المدنيين وأفقر طبقات المجتمع.

• تدمير المؤسسات: انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة المدنية، وتعطيل الجهاز القضائي، مما أدى إلى إفلات واسع للفساد وعدم محاسبة مرتكبي الجرائم.

خاتمة

تتجسد مأساة السودان اليوم في حرب يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء، بينما تستمر الأيديولوجيات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، في زعزعة الاستقرار وإطالة أمد النزاع. الحل يتطلب تحركًا دوليًا جادًا وإرادة سياسية داخلية صادقة، للانفكاك من قبضة التطرف، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مدنية ديمقراطية تحفظ حقوق جميع مواطنيها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com