الشرطة تطارد آلاف السجناء الهاربين من أصحاب الجرائم الخطيرة وسط تفاقم الانفلات الأمني

218
سجن كوبر

الخرطوم  – بلو نيوز الاخبارية

تواصل الشرطة السودانية جهودها لتعقّب واستعادة أكثر من 19 ألف سجين ومعتقل فُتحَت أمامهم أبواب السجون عقب اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، في واحدة من أضخم عمليات الإفراج غير المنظّم في تاريخ السودان الحديث، ما خلق تهديدًا أمنيًا واسع النطاق وسط ظروف الحرب والانفلات.

وتضم قائمة المفرج عنهم مدانين في جرائم جنائية خطيرة، تتراوح أحكامهم بين الإعدام والسجن المؤبد، إلى جانب قيادات بارزة من نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، كانوا رهن الاحتجاز على خلفية انقلاب 30 يونيو 1989، ما فجّر موجة من الغضب والقلق في الأوساط السياسية والشعبية.

وتبادل الجيش وقوات الدعم السريع الاتهامات بشأن المسؤولية عن عمليات الإفراج، ففي حين اتهم وزير الداخلية السابق خليل سايرين باشا الدعم السريع باقتحام السجون وإجبار النزلاء على الهروب، أشار مدير قوات السجون الفريق شرطة ياسر عمر أبو زيد إلى أن بعض القرارات صدرت من إدارات السجون مباشرة، تحت ضغط القصف الكثيف الذي طال سجن كوبر وعددًا من المؤسسات الإصلاحية.

وبعد عام من الانفلات، أعلنت الشرطة في يونيو الماضي استكمال صيانة سجن كوبر المركزي، ووجّهت دعوة علنية للسجناء الفارين لتسليم أنفسهم، مؤكدة استعداد السجون القومية والولائية لاستقبالهم مجددًا، وسط جهود أمنية لإعادة ضبط المشهد الجنائي في ظل هشاشة الوضع الأمني.

وفي تصريح لـصحيفة “الشرق الأوسط”، أكد الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة، العميد فتح الرحمن التوم، أن الأجهزة الأمنية تتابع منذ بداية الحرب تحركات عدد كبير من السجناء الفارين، مشيرًا إلى توقيف بعضهم، بينما انخرط آخرون في القتال إلى جانب أحد طرفي النزاع، وقُتل عدد منهم في المعارك الجارية.

وأوضح التوم أن السودان فعّل اتفاقيات لتبادل المطلوبين مع عدد من الدول المجاورة، لاسترداد المجرمين الفارين عبر الحدود، مشيرًا إلى أن الشرطة تبذل جهودًا مضاعفة لإعادة السيطرة على الوضع الجنائي، رغم التحديات الميدانية التي فرضتها الحرب المستمرة.

وبينما تصر السلطات على أن رموز النظام السابق، ومن بينهم عمر البشير وأحمد محمد هارون، كانوا خارج السجن لتلقي العلاج وقت اندلاع الحرب، تشير تقارير محلية إلى غموض كبير يكتنف مصيرهم، خاصة مع ظهور بعضهم علنًا، ومواصلة آخرين نشاطهم السياسي في تحدٍّ واضح لتعهداتهم السابقة بالعودة إلى السجن فور تحسن الأوضاع.

وكان أحمد هارون قد ظهر في تسجيل صوتي عقب خروجه من سجن كوبر، مؤكدًا أنه ظل محتجزًا في “ظروف قاسية تفتقر لأبسط مقومات الحياة”، قبل أن يغادر مع ثلاثة من حراسه إلى ما وصفه بـ”مكان آمن”، معلنًا استعداده للمثول أمام القضاء عند استقرار الأوضاع، في ظل غياب أي خطوات قضائية فعلية لإعادتهم، فتح الباب أمام انتقادات حادة بشأن جدية الدولة في تطبيق القانون، لا سيما في ظل التبدلات العميقة التي يشهدها المشهد السياسي والعسكري.

وفي هذا السياق، كشفت الصحافية المتخصصة في الحوادث، هاجر سليمان، أن بعض المفرج عنهم تورطوا لاحقًا في أعمال نهب وسطو في أطراف الخرطوم، بينما هرب آخرون إلى خارج البلاد وارتكبوا جرائم عبر الحدود. وقدّرت سليمان عدد السجناء الذين أُطلق سراحهم من سجون ولاية الخرطوم وحدها بأكثر من 9 آلاف شخص.

وعلى الرغم من الانتقادات، تصرّ الشرطة السودانية على أن الوضع الأمني تحت السيطرة النسبيّة، مدعومًا بتعاون مجتمعي في عدد من المناطق، ما ساهم في خفض معدلات البلاغات والشكاوى، بحسب العميد التوم.

وتضم الخرطوم ستة سجون مركزية، أبرزها سجن كوبر الذي بُني عام 1903 إبان الحكم الاستعماري البريطاني، ويعدّ أحد رموز السلطة والسجون السياسية في السودان، حيث مرّ به عدد من القادة البارزين، من إسماعيل الأزهري إلى الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني، إضافة إلى قيادات عسكرية ومدنية منذ عهد الاستقلال.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، لا تزال قضية السجناء الهاربين تمثّل أحد أخطر تداعيات النزاع المسلح، ما يستوجب تحرّكًا قانونيًا وأمنيًا عاجلًا يعيد للدولة هيبتها، ويمنع الإفلات من العقاب في قضايا جنائية وسياسية تمسّ أمن المجتمع وعدالة المرحلة الانتقالية.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com