الصراع في السودان: حرب دامية يراهن الإخوان على استمرارها

35
الحرب في السودان

حسن خليل

سلّط تقرير تحليلي نشرته مجلة (لو بوان) الفرنسية الضوء على طبيعة الصراع الدائر في السودان منذ منتصف نيسان (أبريل) 2023، معتبراً أنّ استمرار الحرب لم يعد مرتبطاً فقط بصدام عسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بات يعكس تشابكاً معقداً بين المؤسسة العسكرية وشبكات ذات خلفية إسلامية تنتمي إلى تنظيم الإخوان، بما يطيل أمد النزاع ويعقّد مسارات التسوية السياسية.

تقرير المجلة طرح سؤالاً مركزياً حول كيفية إسهام هذا التشابك في تعميق دائرة العنف، مشيراً إلى أنّ نفوذ الإخوان داخل مفاصل الدولة، وخصوصاً داخل المؤسسة العسكرية، يمثل عاملاً مؤثراً في إدامة الحرب. ووفقاً للتحليل، فإنّ هذا النفوذ لا يقتصر على حضور سياسي تقليدي، بل يمتد إلى دمج عناصر وكيانات ذات طابع إيديولوجي داخل بنية القوة النظامية.

انهيار الدولة

منذ اندلاع المواجهات في 15 نيسان (أبريل) 2023، شهد السودان انهياراً واسعاً في مؤسسات الدولة وتدهوراً إنسانياً غير مسبوق، مع تسجيل أعداد كبيرة من الضحايا والنازحين. غير أنّ القراءة التي قدّمتها المجلة الفرنسية تذهب إلى أنّ جذور الأزمة الحالية لا تنفصل عن إرث طويل من التمكين السياسي والتنظيمي الذي ترسخ خلال العقود الماضية، وتحديداً في عهد الرئيس السابق عمر البشير.

فخلال ثلاثين عاماً من الحكم شهدت مؤسسات الدولة، وفق تقارير متعددة، عمليات إعادة تشكيل واسعة شملت الأجهزة الإدارية والعسكرية والأمنية، بما أتاح للحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان بناء نفوذ متداخل داخل البنية الرسمية. ورغم الإطاحة بالبشير في 2019، ثم التغييرات اللاحقة التي أعقبت انقلاب 2021 بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلا أنّ التقرير يشير إلى أنّ عملية تفكيك هذا النفوذ لم تكتمل.

وتنقل المجلة عن خبراء في شؤون التطرف أنّ إدماج وحدات أو عناصر ذات صلة تنظيمية بالإخوان ضمن القوات المسلحة أسهم في خلق ما وُصف بهيكل أمني هجين، يجمع بين الطابع النظامي والولاءات الإيديولوجية. ويرى هؤلاء أنّ هذا الدمج أضعف الطابع المهني للمؤسسة العسكرية، وأدخلها في دائرة اصطفافات عقائدية في لحظة صراع داخلي حاد.

ولفت التقرير الفرنسي إلى أنّ رفض بعض القيادات العسكرية وقف إطلاق النار غير المشروط، حتى في مناسبات دينية، عكس تمسكاً بخيار الحسم العسكري، رغم الضغوط الدولية المتزايدة. وترى المجلة أنّ هذا الموقف يتقاطع مع حسابات قوى إسلامية تخشى أن يقود أيّ انتقال سياسي شامل إلى مساءلة قانونية وإقصاء نهائي من المشهد.

عقوبات أمريكية

في بُعده الدولي، لم يعد الصراع السوداني شأناً داخلياً فحسب، فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في أيّار (مايو) 2025 عقوبات على خلفية اتهامات لأطراف النزاع باستخدام أسلحة محظورة، وأثيرت مزاعم بوقوع انتهاكات ذات طابع عرقي في بعض مناطق النزاع. وفي موازاة ذلك عبّر مسؤولون أوروبيون عن قلقهم إزاء ما وصفوه بعودة مظاهر التشدد إلى بعض مؤسسات الدولة.

وفي هذا الإطار، أشار تحليل المجلة إلى تقرير سابق نشرته وزارة الداخلية الفرنسية في أيّار (مايو) 2025 حول أنشطة الإخوان في فرنسا، محذراً من أساليب التمدد التي تعتمدها الجماعة داخل المجتمعات، عبر ما سمّاه التقرير استراتيجية من القاعدة إلى القمة. واستُخدم هذا المثال لإبراز ما تعتبره المجلة نمطاً عابراً للحدود في عمل التنظيم، سواء في أوروبا أو في مناطق من أفريقيا.

ويمتد السودان على ساحل يتجاوز ألف كيلومتر على البحر الأحمر، في موقع جيوسياسي بالغ الحساسية، عند مفترق طرق الملاحة الدولية بين آسيا وأوروبا. وترى المجلة أنّ استمرار الحرب، في ظل حضور تيارات متشددة داخل المؤسسة العسكرية، يطرح مخاوف تتجاوز الإطار الوطني، نظراً لتأثير أيّ اضطراب محتمل على أمن الملاحة والطاقة.

وقد اتخذ البرهان من مدينة بورتسودان مقراً لقيادته خلال مراحل من الحرب، وهو ما أضفى بُعداً إضافياً على أهمية الساحل السوداني في الحسابات العسكرية والسياسية. وتربط بعض التحليلات بين هذا التمركز وبين الرغبة في تأمين منفذ استراتيجي يتيح إدارة العمليات وإعادة التموضع في حال تعقدت الأوضاع في العاصمة.

محاولات استبعاد الإخوان

على المستوى الإقليمي، دعا بيان صادر في 2 أيلول (سبتمبر) الماضي عن تحالف الرباعية، الذي يضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية، إلى هدنة إنسانية واستبعاد الإخوان من أيّ ترتيبات حكم مقبلة. ويعكس هذا الموقف قناعة لدى هذه الدول بأنّ معالجة البُعد الإيديولوجي للنزاع شرط أساسي لإنجاح أيّ تسوية سياسية مستدامة.

جذور الأزمة الحالية تعود أيضاً إلى المرحلة التي أعقبت ثورة 2019، حين باشرت لجنة إزالة التمكين تفكيك شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة. وهذه الإجراءات أثارت مخاوف داخل أوساط إسلامية من فقدان النفوذ والمساءلة القانونية، وهو ما جعل بعض القوى ترى في الحرب فرصة لإعادة التموضع وعرقلة الانتقال المدني. ذلك أنّ سياسة التمكين التي اتُبعت منذ انقلاب 1989 لم تكن مجرد تعيينات إدارية، بل شملت إعادة هيكلة شاملة للجيش والأجهزة الأمنية، وإنشاء تشكيلات موازية ذات طابع تعبوي. وترى أنّ هذا الإرث الثقيل جعل عملية الفصل بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات الإيديولوجية معقدة، حتى بعد سقوط رأس النظام.

التقرير الفرنسي يخلص إلى أنّ مستقبل السودان سيظل مرهوناً بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على تفكيك هذا التشابك بين الإيديولوجيا والقوة المسلحة. ويرى أنّ أيّ تسوية لا تتناول مسألة دمج أو استبعاد الشبكات المرتبطة بالإخوان من مفاصل الدولة ستظل عرضة للانهيار.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com