تقارير: إدانة علي كوشيب .. صفحة أولى في سجل العدالة المؤجلة

82
كوشيب

بعد عقدين من المجازر التي هزت العالم، نطقت المحكمة الجنائية الدولية بحكمها التاريخي ضد علي محمد علي عبد الرحمن، الشهير بـ”علي كوشيب”، أحد أبرز زعماء المليشيات الموالية لنظام البشير في دارفور، لتعيد إلى الواجهة ملفات الألم والعدالة التي ظلت مؤجلة طويلاً.

الحكم الذي أدان كوشيب بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لم يكن مجرد إجراء قانوني؛ بل محطة فاصلة في مسار العدالة الدولية وإنصاف آلاف الضحايا الذين قُتلوا أو شُردوا أو فقدوا ذويهم في حملات القمع المنهجي التي شنّها النظام البائد ضد سكان الإقليم.

 

متابعات – بلو نيوز الاخبارية

 

ذراع دموية في خدمة النظام

ولد كوشيب في قلب دارفور، لكنه سرعان ما تحوّل إلى أحد أذرع نظام الحركة الإسلامية في حربه ضد المتمردين عام 2003.

وبدلاً من معالجة جذور التهميش التاريخي الذي أشعل التمرد، لجأ نظام عمر البشير إلى القوة المفرطة، معتمداً على مليشيات محلية موالية، كان كوشيب أحد أبرز قادتها.

الفظائع التي ارتكبتها تلك المليشيات في القرى والبلدات الدارفورية شملت القتل الجماعي، الاغتصاب، التهجير القسري، والاضطهاد العرقي. وقد وثّقت منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية تلك الانتهاكات التي اعتبرتها المحكمة “جرائم ممنهجة نفذت بعلم وتخطيط من السلطة الحاكمة آنذاك”.

رسالة العدالة: لا إفلات من العقاب

قرار الإدانة جاء بعد تحقيقات مطولة وشهادات مروعة لضحايا وناجين، ليؤكد مجدداً أن الإفلات من العقاب لم يعد ممكناً.

ويرى مراقبون أن الحكم يمثل بداية لاستعادة الثقة في العدالة الدولية، وفرصة لإحياء ملف تسليم بقية المطلوبين، وعلى رأسهم البشير ووزيرا دفاعه وداخليته السابقان عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون.

القيادي في تحالف السودان التأسيسي أحمد تقد لسان وصف القرار بأنه “نصر للعدالة وإن تأخر”، مؤكداً أن “الأرواح لا تعود، لكن الحقيقة تنتصر”.

أما المدافع عن حقوق الإنسان أحمد سوار فاعتبر أن كوشيب “لم يكن سوى مأمور ينفذ أوامر من منحوه سلطة القتل باسم الدولة”، مشدداً على أن المسؤولية الجنائية الحقيقية تقع على عاتق النظام الذي خطط ووجّه ومول الجرائم.

تجديد الأمل ومرارة الانتظار

منذ سقوط نظام البشير عام 2019، تجددت آمال الضحايا في العدالة، خاصة بعد إعلان الحكومة الانتقالية نيتها التعاون مع المحكمة.

لكن تلك الآمال سرعان ما تراجعت مع تردد المؤسسة العسكرية في تسليم المتهمين، ما اعتبره مراقبون استمراراً لنهج الحماية السياسية والإفلات من العقاب.

ويرى المحامي والمدافع الحقوقي طلب الختيم أن إدانة كوشيب تمثل “إدانة سياسية وأخلاقية لنظام الإنقاذ بكامله”، موضحاً أن “المدان مجرد منفذ، أما العقل المخطط فهو القيادة السياسية والعسكرية للنظام البائد”.

شجاعة التسليم وبداية الطريق الطويل

في عام 2020، سلّم كوشيب نفسه طوعاً للمحكمة الجنائية الدولية عبر مكتبها في أفريقيا الوسطى، في خطوة فاجأت الأوساط الحقوقية والسياسية، وفتحت الباب مجدداً لمحاكمات طال انتظارها.

ويرى المحامي حاتم إلياس أن “خطوة كوشيب كانت شجاعة مقارنة بآخرين ما زالوا يختبئون خلف السلطة، رافضين مواجهة العدالة”.

وبالرغم من طول الإجراءات، فإن المحاكمة أظهرت إصرار المحكمة الجنائية على المضي في ملاحقة كل المتورطين، بغض النظر عن مواقعهم أو مبرراتهم السياسية.

ما بعد كوشيب: العدالة على المحك

الحكم ضد كوشيب ليس نهاية المطاف، بل بداية مسار طويل لإعادة الاعتبار لضحايا دارفور والسودان عموماً.

فالمؤسسات العدلية المحلية لا تزال عاجزة عن معالجة إرث الانتهاكات، بينما تظل المحكمة الجنائية الدولية الأمل الوحيد أمام أسر الضحايا الباحثين عن الإنصاف، ويؤكد طلب الختيم أن “العدالة الدولية ليست انتقاماً، بل دفاع عن إنسانية الإنسان، ورسالة بأن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم”.

خاتمة: زمن العدالة وإن طال

إدانة علي كوشيب تكتب سطراً جديداً في سجل العدالة السودانية، لكنها تفتح أيضاً سؤالاً مقلقاً: هل يملك السودان الشجاعة لتسليم بقية المتهمين، أم سيبقى رهين التواطؤ والإنكار؟ في دارفور، ما تزال القرى المحروقة شاهدة، والأمهات الثكالى ينتظرن خبراً يليق بدماء أبنائهن.أما في لاهاي، فقد دوّت الكلمة الفصل: العدالة قد تتأخر.. لكنها لا تموت.

 

 

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com