تقارير: تحت قبة الأمم المتحدة – انكشاف الدور المصري في الحرب السودانية .. جلسة أممية تفجّر الاتهامات – دعم عسكري وإرهابي مباشر من القاهرة للجيش والإسلاميين
في قلب الصراع السوداني، حيث يمتزج الدم بالنفوذ الخارجي، تكشفت أمام العالم فضائح لم يجرؤ أحد على إعلانها صراحة من قبل. لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة داخلية بين الجيش ومليشيات الدعم السريع، بل أصبحت ساحة لعب للقوى الإقليمية، حيث تُساق الأسلحة، ويُنهب الذهب، ويُحوّل النيل إلى أداة ابتزاز سياسي. جلسة مجلس حقوق الإنسان الأخيرة في الأمم المتحدة لم تكتف بكشف الانتهاكات، بل وضعت أصابع الاتهام مباشرة على أطراف خارجية، وعلى رأسها مصر، التي لعبت دورًا مفتوحًا في تأجيج النزاع وتأمين دعم المسلحين والإسلاميين. في هذا المشهد، أصبح السودان ليس فقط ساحة حرب، بل مختبرًا للسياسات الإقليمية التي تهدد استقراره ووحدته، وتعيد كتابة خريطة النفوذ في المنطقة بأكملها.
متابعات – بلو نيوز الاخبارية
في واحدة من أكثر الجلسات سخونة داخل أروقة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فجّرت المتحدثة أميرة هالبرين من مركز العدالة الجندرية وتمكين المرأة مفاجأة مدوّية، حين كشفت في الاجتماع رقم (40) – الجلسة رقم (60) عن تورط جمهورية مصر العربية في دعم الجيش السوداني والمجموعات الإسلامية المسلحة، عبر قنوات تسليح وتمويل وتسهيلات لوجستية وصفتها بأنها “انتهاك خطير للأمن الإقليمي وحقوق الإنسان”.
قالت هالبرين في مداخلتها إن مصر “نقلت أسلحة كيميائية إيرانية إلى الجيش السوداني، وساهمت في تسليح جماعة البراء بن مالك المرتبطة بتنظيم القاعدة”، وهي الجماعة التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات مؤخراً، مؤكدة أن القاهرة باتت “جزءاً من معادلة الحرب في السودان لا وسيطاً محايداً كما تزعم”.
وأضافت أن عمليات تهريب الموارد السودانية نحو مصر بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ تم نقل ما يقارب ثمانية مليارات دولار من الذهب السوداني خلال العامين الماضيين، إلى جانب اقتطاع ستة مليارات متر مكعب من مياه النيل من حصة السودان، محذّرة من أن مدينة بورتسودان تحوّلت إلى مركز لتجارة السلاح والإرهاب برعاية غير مباشرة من أجهزة استخبارات إقليمية.
بيان تأسيس: اعتراف مصري خطير وتورط موثق
وفي تطوّر لافت، أصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة “تأسيس” بياناً شديد اللهجة، أدانت فيه تصريحات وزير خارجية سلطة بورتسودان الذي كشف علناً عن تلقي حكومته دعماً كاملاً من جمهورية مصر العربية، واعتبر البيان أن هذا الإقرار “سابقة خطيرة تكشف حجم التدخلات الخارجية في الشأن السوداني”.
وأكدت الوزارة أن ما صدر “يمثل اعترافاً موثقاً أمام الرأي العام المحلي والدولي بوجود أطراف خارجية تؤجج الصراع وتعرقل أي مبادرات سلام”، داعية المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، المملكة المتحدة، الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد إلى التحرك العاجل لوقف أي دعم خارجي يطيل أمد الحرب ويضاعف الكارثة الإنسانية.
وأضاف البيان: “إن صمت المجتمع الدولي سيُفسَّر باعتباره تشجيعاً مباشراً لاستمرار الحرب وإطالة مأساتها، ولن يرحم التاريخ من ساهم في معاناة الشعب السوداني أو وقف في وجه إرادته في الحرية والسلام والعدالة.”
تقارير استخباراتية: مصر لا تمانع تقسيم السودان
في السياق ذاته، قال الباحث والخبير في قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا الدكتور حليم محمود إن تقارير استخباراتية غربية تشير إلى أن القاهرة لا تمانع تقسيم السودان إذا كان ذلك يخدم أمنها المائي ويمنع نفوذ أطراف إقليمية منافسة مثل الإمارات أو إثيوبيا، مضيفاً أن “هذا النهج الانتهازي يهدد وحدة السودان وينسف فرص استقراره”.
وأكد حليم أن مصر تجاهلت قوى الثورة السودانية واكتفت بالتعامل مع العسكريين، ما جعلها “طرفاً غير نزيه في أي عملية سلام محتملة”، مضيفاً أن محاولات القاهرة لإفشال المبادرات غير المنسقة معها مثل مبادرة إيغاد والمبادرة السعودية الأمريكية أفقدتها المصداقية الإقليمية وأضعفت مكانتها كوسيط.
لاجئون سودانيون ضحايا القمع والترحيل
من جانب آخر، كشفت تقارير حقوقية عن انتهاكات ممنهجة ضد اللاجئين السودانيين في مصر، شملت الاعتقال التعسفي، الترحيل القسري إلى مناطق النزاع، والتحرش الجنسي بالنساء، رغم امتلاك كثير منهم أوراق حماية من الأمم المتحدة.
وأشارت التقارير إلى ترحيل أكثر من أربعة آلاف لاجئ سوداني إلى مناطق شهدت استخدام الأسلحة الكيميائية، ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
من دعم العسكر إلى تهريب الذهب: مصر في مرمى الاتهامات
يرى مراقبون أن هذه التطورات تمثل تحولاً خطيراً في علاقة القاهرة بالخرطوم. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، اتخذت مصر موقفاً باهتاً يميل ضمنياً لصالح الجيش، واحتضنت الفريق عبد الفتاح البرهان كحليف استراتيجي، فيما نظرت بحذر إلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بسبب تقاربه مع الإمارات وإثيوبيا.
ويقول خبراء إن مصر استغلت هشاشة الدولة السودانية لتحقيق مكاسب في ملفات استراتيجية، أبرزها الذهب والنيل الأزرق، وفرضت وجودها كقوة تتحكم في القرار السوداني من خلف الكواليس.
تآكل الصورة المصرية في وعي السودانيين
تراجعت الصورة التقليدية لمصر في الوجدان السوداني خلال العامين الأخيرين، خاصة بين الشباب والناشطين الذين باتوا ينظرون إلى القاهرة كطرف منحاز ومعادٍ لتطلعاتهم في الحرية والديمقراطية.
ويحذر محللون من أن استمرار السياسات المصرية الحالية سيؤسس لعداء شعبي طويل الأمد بين البلدين، خاصة في ظل الانتهاكات التي تمس كرامة السودانيين داخل الأراضي المصرية، وتورط القاهرة في دعم سلطة إسلامية متهمة بجرائم حرب.
بين الأخوّة والعداء.. مفترق طرق خطير
يختتم الدكتور حليم محمود قائلاً: إما أن تختار مصر دور الشقيق الأكبر الحريص على مصلحة جاره، أو تستمر في سياسة التدخلات التي ستقود إلى قطيعة تاريخية بين الشعبين. النفوذ لا يجب أن يُستخدم لتكريس الاستبداد أو تمكين العسكريين، بل لدعم إرادة السودانيين في بناء دولتهم الحرة والديمقراطية.
ويبدو أن ما بدأ في قاعة مجلس حقوق الإنسان قد فتح الباب أمام مرحلة جديدة من المساءلة الإقليمية والدولية، عنوانها: من يقف فعلاً وراء استمرار الحرب في السودان، ومن المستفيد من دماء الأبرياء؟
