تقرير: إصلاح الجيش السوداني .. “خبراء يحذرون” .. لا إصلاح دون تفكيك نفوذ الحركة الإسلامية وإعادة بناء العقيدة العسكرية

144
الجيش

متابعات – بلو نيوز الاخبارية

منذ اندلاع الحراك الشعبي في ديسمبر 2018، ظل مطلب إصلاح وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السودانية حاضراً بقوة في الخطاب الثوري، ممثلاً في شعارات مثل: “الجيش جيش السودان، الجيش ما جيش الكيزان”، التي عبّرت عن تطلع الشارع لفصل الجيش عن الولاءات الحزبية والعقائدية. غير أن هذا الخطاب تراجع إلى الظل بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، حيث تحول الحديث عن الجيش إلى منطقة محظورة بفعل موجة تعبئة دعائية قادها أنصار النظام السابق، رفعت شعار “جيش واحد، شعب واحد”، لتقديس المؤسسة العسكرية ورفض أي مساءلة لها، وربط النقد بـ”الخيانة الوطنية”.

من المطالب الثورية إلى الممنوعات الحربية

قبل الحرب، كانت قوى الثورة قد دفعت بمقترحات لإصلاح شامل لكل الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما يشمل القوات المسلحة، وجهاز الأمن، والشرطة، مطالبة بتطهيرها من المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان، وإبعاد العسكريين عن العمل السياسي والاقتصادي. لكن الحملة المضادة التي قادتها قوى الثورة المضادة أعادت الجيش إلى موقع “المقدس” الذي لا يجوز الاقتراب منه.

ورغم هذه الأجواء، شكّلت ورشة الإصلاح الأمني والعسكري في مارس 2023 محطة فارقة، إذ جمعت لأول مرة الجيش وقوات الدعم السريع والمخابرات والشرطة على طاولة واحدة، لمناقشة رؤى مشتركة للمستقبل. ووفقاً للريح محمد الصادق، عضو المكتب التنفيذي لقوى الحرية والتغيير، توصّل المدنيون والعسكريون وقتها إلى مبادئ لإصلاح القطاع الأمني، شملت دمج القوات، وتطهيرها من عناصر المؤتمر الوطني، وتحديد دور الجيش في الحياة السياسية، ووضع آليات للحد من الانقلابات. لكن غياب الإرادة السياسية والاستقطاب داخل المؤسسة العسكرية أوقف تنفيذ هذه الخطط.

رؤية عسكرية: الإصلاح مهني لا سياسي

اللواء أمين إسماعيل مجذوب، خبير إدارة الأزمات والتفاوض، يرى أن الجيش لا يحتاج إلى “إصلاح جذري” بقدر ما يحتاج إلى تحديث في البرامج والقوانين والاستراتيجيات، معتبراً أن هذا شأن فني يخص العسكريين وحدهم، وواصفاً التدخل المدني في الملف بأنه “استعراض إعلامي” لا يستند إلى معرفة تقنية دقيقة. وأشار إلى أن اتهامات الانحياز والتسييس التي تطال الجيش ترتبط بصراعات سياسية أكثر من كونها نقاشات مهنية.

عقيدة جديدة وجغرافيا شاملة

على النقيض، يؤكد شمس الدين الأمين ضو البيت، مدير مشروع الفكر الديمقراطي، أن إصلاح الجيش يستحيل من دون إعادة بناء شاملة تمتد إلى العقيدة العسكرية والقتالية، وإدماج عناصر جديدة تعكس التنوع الجغرافي للسودان. ويرى أن الخلل البنيوي للمؤسسة العسكرية يعود إلى تراكمات تاريخية منذ الحكم التركي، مروراً بفترة الاستعمار المركب، التي احتكرت المناصب القيادية لصالح مناطق الوسط والشمال، وصولاً إلى مرحلة الحركة الإسلامية التي أعادت صياغة الجيش وفق عقيدة “التأصيل والتمكين والجهاد”.

ويحذر ضو البيت من استمرار نفوذ الإسلاميين داخل الجيش، مؤكداً أن تحجيم هذا النفوذ يتطلب ضغطاً شعبياً واسعاً كما حدث في ثورة ديسمبر. ويأسف لتراجع الزخم الجماهيري بعد الثورة، مما أتاح الفرصة لقوى الثورة المضادة لإعادة تنظيم صفوفها، وأسهم في إشعال الحرب الحالية.

بين تقديس المؤسسة وإصلاحها

يبقى الجدل محتدماً بين من يرى الجيش مؤسسة وطنية فوق النقد، ومن يعتبر إصلاحه شرطاً لبناء دولة مدنية ديمقراطية. وبين هذين الموقفين، تتجاذب السودان عوامل التاريخ والسياسة والعقيدة، فيما يظل السؤال مفتوحاً: هل يملك السودانيون الإرادة والقدرة على إعادة تشكيل جيشهم ليكون جيشاً للسودان، لا جيشاً للحزب أو الطائفة؟

 

 

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com