تقرير تحقيقي – «تشليع مناوي»: خطة سرية لإعادة رسم نفوذ دارفور أم تفكك داخلي؟
متابعات – بلو نيوز الاخبارية
حصلت شبكتنا التحقيقية على معطيات موثوقة تكشف عن تحرّكات عسكرية وسياسية سرّية يُعتقد أنها تستهدف تفكيك حركة تحرير السودان جناح مناوي وإعادة رسم خريطة النفوذ في دارفور عبر ما يُطلق عليه داخل أوساط المؤسسة العسكرية اسم خطة «تشليع مناوي». وتبيّن من الوثائق والشهادات العينية أن الخطة لا تكتفي بإحداث شروخ داخلية فحسب، بل تستثمر في أزمات عشائرية قديمة، وتوظف شبكات مالية وإعلامية لبناء بدائل ولائية أكثر قربًا من المؤسسة العسكرية.
لبّ الخطة: استثمار الشرخ التاريخي
تفيد سجلات الصراع التاريخي بأن الانقسام بين جناح مناوي ومجموعة بخيت له جذور عميقة امتدت إلى أيام جبهة الخلاص، حيث سجلت مواجهات دامية كان أشهرها معركة مهاجريه التي راح ضحيتها قيادات من الطرفين. مصادرنا تؤكد أن تلك الصفحات الدموية أعادت اليوم إنتاج خريطة ولاءات تُستغلها أطراف داخل المؤسسة العسكرية لشرعنة تدخلات سياسية وعسكرية تبدو «هادئة» لكنها منهجية.
المشهد اليوم لا يقوم على صدام فكري أو ايدولوجي فحسب، بل على حسابات عشائرية واستثمارها لصالح تشكيلات يُراد لها أن تكون أكثر ولاءً للمراكز العسكرية من ولائها لقيادة الحركة.
بخيت: «رجل الجيش» في دارفور
يقدم ملفنا أدلة على أن قائدًا محليًا مثل بخيت اتبنى منهجًا مختلفًا عن مناوي؛ بدلاً من الصراع المفتوح، اختار الدمج والانسحاب التدريجي من قنوات الصراع التقليدية، فجرى دمج ضباطه ضمن الترتيبات الأمنية والجيش، ما أكسبه موقعًا مميزًا وصفته مصادرنا بـ«رجل الجيش الأول» في الإقليم. هذه الخطوة لم تمنحه مصداقية فقط أمام القادة العسكريين، بل أتاحت له أدوات إعادة بناء تنظيمات محلية ـ قشن وأرت أرت على قاعدة ولاءات عشائرية واضحة.
شبكات مالية خارجية: من دبي إلى مومباسا
أحد أخطر مكونات الخطة يتمثل في الشبكات المالية والتجارية التي تشير معطياتنا إلى أنها ضالعة بتحويل موارد كبيرة خارج سيطرة قيادة الحركة. تفاصيل وردتنا تشير إلى تحويلات وعمليات استثمارية تتضمن: دفعات بقيمة 28 مليون دولار دفعة أولى، وتحويلات شهرية تُقدّر بملايين، تحويلات إلى دبي لطرف ذي صلة بمناوي، استثمارات تجارية في مومباسا (تجارة السكر)، وعقارات في تركيا، إضافة إلى تمويل أنشطة تجارية – من بينها سوق ذهب تحظى فيه أسماء مقربة بتمويل كبير.
مصادرنا تُبرز أن هذه الأموال تُستخدم لتغذية شبكات ولاء وشراء أصوات محلية وإقليمية، وهو ما يفتح الباب أمام محاور قانونية حول غسل أموال وتمويل غير مشروع يمكن أن تطال مسؤولين محليين ودوليين.
الحرب الإعلامية والسياسية: أدوات التفكيك
لا يقتصر العمل على الساحة العسكرية والمالية؛ بل يمتد إلى صفحة السياسة والإعلام. تشير معطياتنا إلى حملات منظمة لاستقطاب وجوه انتقالية وإعلامية مقابل مبالغ مالية وحِزم دعم، بهدف إعادة تشكيل صورة «المشتركة» وتجريد مناوي من رمزيته. من بين هذه الخطوات: استقدام شخصيات انتقالية بمقابل مادي، ضم قيادات عسكرية سابقة في صفقات انتقال، الاستفادة من أصوات إعلامية لتشويه الخصوم، واستثمار شبكات نسائية وكادرية لخلق نسيج دعم بديل.
استهداف القيادات: الإقصاء والتهميش
تكشف المصادر أن مناوي أُبعد عنه قيادات مؤثرة (قانونيون، إعلاميون، مستشارون)، بينما بقيت معه وجوه بروتوكولية تفتقد للقدرة الحقيقية على الحشد أو القيادة الميدانية. ويُعد «أبو عبيدة الخليفة» مثالاً على هذا التهميش العملي: اسم في العناوين، لكنه بمثابة غطاء بروتوكولي مع وجود فعلي محدود للغاية.
خطة الاستخبارات: تقسيم وتقييد ثم دمج
تحدد خطة الاستخبارات، بحسب الوثائق التي اطلعنا عليها، خطوات عملية تهدف إلى:
- تقسيم الحركة إلى مجموعات مفصولة: عسكريون تحت قيادة أجهزة معينة، سياسيون تحت رعاية أخرى، وجناح مناوي في محاصرة تنظيمية.
- سحب قوات مناوي من البادية إلى مناطق كردفان لتقييد حركيتها.
- تحريك نزاعات عشائرية لصرف الانتباه وتفتيت البنية الاجتماعية للحركة.
- تمهيد دمج قوى محلية موالية (مثل قوات قشن وعرد عرد) داخل الجيش، وتفريغ مناوي من عناصر تأثيره.
التداعيات المحتملة: من شرعية التفاوض إلى هشاشة الاستقرار
لو تحققت هذه الخطة على نطاق واسع، فإن النتائج قد تكون جسيمة:
- سياسيًا: فقدان مناوي لشرعيته التفاوضية وموقعه كطرف فاعل.
- عسكريًا: استنزاف تدريجي لقواته لصالح تشكيلات أكثر ولاءً للمؤسسة العسكرية.
- قانونيًا: فتح مسارات تحقيقات محتملة في غسل أموال وتمويل غير مشروع.
- اجتماعيًا: تفكيك النسيج العشائري المحلي وزيادة مخاطر تفجّر نزاعات إقليمية في دارفور.
خاتمة ومساءلة ضرورية
ما تكشفه هذه المعطيات ليس صراعًا داخليًا عابرًا، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل السلطة والنفوذ في دارفور عبر أدوات عسكرية، مالية، وإعلامية. ومع أن مصادرنا تصف المعلومات بأنها “موثوقة”، فإن الأثر الأخطر يكمن في كون هذه الاستراتيجية، إن استمرت دون مساءلة أو رقابة وطنية ودولية، قادرة على تحويل دارفور إلى مسرح مزيد من التشقّق السياسي وانهيار الخيارات السلمية.
شبكتنا التحقيقية توجه هذه المادة إلى: الجهات الحقوقية، الآليات الدولية للتحقيق في تمويل الصراعات، والمجتمع المدني السوداني، مع دعوة واضحة لـ«تحقيق شفاف ومستقل» في الاتهامات المالية والسياسية المضمّنة في هذا الملف، وتقديم ضمانات لحماية النسيج الاجتماعي في دارفور من مخاطر الاستغلال العشائري والسياسي.
