تقرير: جيل بلا شهادات .. واقع التعليم في دارفور وكردفان بين ويلات الحرب والتهميش المؤسسي

765
التعليم

“تقرير خاص من قلب دارفور وكردفان، يسلط الضوء على واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية والإنسانية في السودان، في ظل حرب ترفض أن تنتهي وأوضاع تعليمية تعيش في ظلال الإهمال الرسمي”

إعداد: عمار سعيد

 

في ظل استمرار النزاع المسلح وتفاقم الأزمة الأمنية في السودان منذ أبريل 2023، يواجه آلاف الطلاب والطالبات في ولايات دارفور وكردفان مأساة مستمرة تتمثل في حرمانهم من حقهم الأساسي في التعليم، ولا سيما إجراء امتحانات الشهادة الثانوية، التي لم تُجرى لهم منذ ثلاث سنوات متتالية، وسط انهيار شبه كامل للبنية التحتية التعليمية وتدني الخدمات في هذه المناطق.

وتكشف مصادر متطابقة من داخل تلك الولايات أن هذا الحرمان لا يعود فقط إلى تداعيات الحرب العنيفة، بل يشكل تجسيدًا لتهميش ممنهج ومتعمّد من قبل السلطات الحكومية المختلفة، التي لم تبادر بأي خطوات جادة لإنقاذ قطاع التعليم في هذه المناطق، حيث تسيطر قوات الدعم السريع، في حين ترفض سلطات بورتسودان الاعتراف بشرعية الطلاب في تلك المناطق أو توفير ترتيبات بديلة تسمح لهم بإكمال تعليمهم.

واقع مأساوي في أرقام صادمة

أكثر من 160 ألف طالب وطالبة محرومون من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية منذ عام 2022. وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن نسبة تقارب 98% من المدارس في بعض محليات دارفور باتت خارج الخدمة، نتيجة الإغلاق أو التدمير أو التحويل لمراكز عسكرية أو لجوء.

ووثقت منظمات محلية ودولية أكثر من 350 مدرسة تعرضت لأضرار جزئية أو كلية بفعل القصف الجوي المباشر أو الاشتباكات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى انهيار شبه كامل لمنظومة التعليم الرسمي في هذه الولايات.

التعليم تحت نيران الحرب

في نيالا، مركز ولاية جنوب دارفور، تدمّرت مدارس عريقة مثل “مدرسة نيالا الثانوية” جراء قصف جوي مكثف، بينما حولت العديد من المدارس في زالنجي، كبكابية، وكرينك، إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء للنازحين، مما أوقف العملية التعليمية تمامًا.

ويقول الطالب آدم من زالنجي: “مدرستنا تحولت إلى مستشفى ميداني، واشتعلت فيها النيران أثناء قصف قُدم خلال شهر رمضان، ما أدى إلى تدمير الكتب والمناهج.”

أصوات من قلب الأزمة

هبة (طالبة من نيالا، 19 عاماً): “كنتُ من المتفوقات وأطمح لدراسة الطب بجامعة الخرطوم، لكن منذ 2022 لم أتمكن من إجراء امتحانات الثانوية. كل عام نتحضر ونأمل، لكن لا يوجد امتحانات لنا.”

حسن (ولي أمر من غرب كردفان): “أرسلنا طلبات للجهات التعليمية في الأبيض وبورتسودان، لكن دون رد. أبناؤنا في دارفور وكردفان كأنهم منسيون لا ينتمون لهذا الوطن.”

عبد الجبار (معلم سابق بكتم): “منذ عام 2023 لم نتلق مرتبات أو دعمًا، ولا توجد أدوات تدريس. نحاول فتح فصول مؤقتة في الأماكن المكشوفة، لكن خوف الطلاب من الطيران والقصف يجعل الحضور ضعيفًا جداً.”

تهميش ممنهج وإقصاء سياسي

تقارير من منظمات حقوق الإنسان تعزو الأزمة التعليمية في دارفور وكردفان إلى إهمال سياسي ممنهج، حيث تفشل السلطتان المتنافستان في تقديم حلول، ويتحول الطلاب إلى ضحايا الانقسامات والصراعات السياسية، وسط غياب كامل للتنسيق أو الاعتراف الرسمي.

ناشطة تعليمية تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها قالت: “وزارة التربية والتعليم في بورتسودان لا تعترف بطلاب المناطق الخارجة عن سيطرتها، بينما تُجرى امتحانات الشهادة فقط في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.”

مبادرات أهلية في مواجهة الغياب الحكومي

في معسكرات النازحين مثل أبشوك بالفاشر، ينشط معلمون ومتطوعون في تقديم دروس بدائية لأكثر من 100 طفل في خيام تفتقر للكتب والمناهج المعتمدة، دون شهادات أو اعتراف رسمي، في محاولة بائسة لإبقاء شعلة التعليم حية وسط الظلام.

مطالب وحلول عاجلة

يطالب العاملون في الحقل التعليمي والمجتمع المدني بـ:

  1. الاعتراف الرسمي من وزارة التربية والتعليم بطلاب المناطق المتضررة، وإنشاء لجان امتحانية آمنة لهم.
  2. إطلاق برامج التعليم الهجين (الكتروني وميداني) تحت إشراف منظمات أممية ومؤسسات تعليمية مستقلة.
  3. إعادة تأهيل المدارس المتضررة بدعم دولي وإقليمي سريع.
  4. توفير رواتب وحوافز للمعلمين لضمان استمرار العملية التعليمية.
  5. إشراك المجتمعات المحلية والسلطات الأهلية في تنظيم التعليم وإدارته مؤقتًا.

جيل ما بعد الحرب.. على مفترق الطرق

يواجه جيل كامل في دارفور وكردفان خطر الانزلاق في دوامة الفقر والجهل، بفعل سنوات الحرب والحرمان، ما يعرض مستقبلهم ومستقبل الوطن كله للخطر.

تقول هبة، التي باتت تمثل صوت آلاف الطلاب: “كل ما نريده هو فرصة لإكمال تعليمنا، هو حقنا الطبيعي وليس منّة من أحد.”

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com