تقرير: من الصحراء المصرية إلى دارفور .. كيف تقود القاهرة حرب الطائرات المسيّرة في السودان؟

79
WhatsApp Image 2026-02-02 at 15.05.22 (1)

في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تمتد دوائر زراعية عملاقة تُرى من الفضاء، تعمل قاعدة جوية خفية تحولت إلى أحد أخطر مفاصل الحرب الدائرة في السودان. فمن هذه البقعة المعزولة، وعلى مقربة من الحدود السودانية، تنطلق طائرات مسيّرة متطورة لتنفذ ضربات عميقة داخل الأراضي السودانية، في تدخل مباشر يكشف انتقال الحرب من صراع داخلي إلى مسرح إقليمي للحرب التكنولوجية عالية الدقة.

 

وكالات – بلو نيوز

كشفت تحقيقات صحفية دولية عن تورط مصر في الحرب الدائرة بالسودان، من خلال قاعدة جوية سرية في الصحراء الغربية، تُستخدم لإطلاق طائرات مسيّرة بعيدة المدى ضد مواقع قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتدمير بنى تحتية حيوية، بينها مستشفيات ومحطات كهرباء ومرافق مياه، ليصبح السودان مسرحًا لتنافس القوى الإقليمية باستخدام التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

تدخل يتجاوز الدبلوماسية

وبحسب تحقيقات استندت إلى صور أقمار صناعية وسجلات طيران ومقاطع فيديو، إضافة إلى إفادات مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، فإن جمهورية مصر العربية سمحت للجيش السوداني باستخدام قاعدة جوية داخل أراضيها لإدارة عمليات الطائرات المسيّرة، في خطوة تمثل تحولًا جذريًا في دور القاهرة، التي ظلت حتى وقت قريب تقدم نفسها كوسيط دبلوماسي في الأزمة السودانية.

وتشير المعطيات إلى أن هذه القاعدة، الواقعة ضمن مشروع شرق العوينات الزراعي في الصحراء الغربية، أصبحت منذ ما لا يقل عن ستة أشهر منصة رئيسية لإطلاق مسيّرات بعيدة المدى تستهدف قوات الدعم السريع في مناطق متفرقة من السودان، من دارفور غربًا إلى كردفان وسط البلاد.

بيان تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)

وفي هذا الإطار، أصدر تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) بيانًا شديد اللهجة أكد فيه أن الدور الرسمي لجمهورية مصر العربية في الحرب السودانية ظل سلبيًا ومنحازًا، ويتكشف يومًا بعد يوم عبر أشكال متعددة من الدعم السياسي والعسكري لجيش جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، تحت ذرائع وصفها التحالف بالمضللة، مثل ما يُسمّى بالحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان.

وأوضح التحالف أن هذه المبررات تمثل، بحسب البيان، «كلام حق أُريد به باطل»، مشددًا على أن وحدة السودان والحفاظ على مؤسساته مسؤولية وطنية خالصة، وأن السودانيين هم الأحرص على صونها دون وصاية أو تدخل خارجي.

وأشار البيان إلى أن النظام المصري ظل منذ اندلاع الحرب يدعم الجيش التابع لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية بالعتاد والسلاح والذخيرة، إلى جانب توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي، ما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات الحل.

وكشف البيان عن أخطر أشكال التدخل المصري، والمتمثل في القبض على لاجئين سودانيين داخل الأراضي المصرية وإعادتهم قسرًا إلى السودان، واستنفارهم وإجبارهم على الانخراط في القتال، مع الترويج إعلاميًا لمزاعم عودتهم الطوعية، وهو ما وصفه التحالف بأنه مخالف للواقع وتفتقر للمصداقية.

وأضاف البيان أن وجود مصر في أي مبادرة سياسية لوقف الحرب أصبح غير مرغوب فيه، معتبرًا أن مشاركتها تمثل سببًا رئيسيًا في عرقلة المبادرات المختلفة، في ظل انحيازها الواضح لأحد أطراف الصراع. كما أشار إلى أن استخدام مصطلح «المليشيا» لوصف قوات الدعم السريع يكشف عن حقيقة الموقف المصري المتآمر وغياب الحياد السياسي المطلوب.

ورأى البيان أن الموقف الرسمي المصري يندرج ضمن مخطط أوسع للهيمنة على القرار السياسي السوداني وموارده الاقتصادية، والمساهمة في تمزيق النسيج الاجتماعي، عبر التعاون مع نظام جماعة الإخوان المسلمين الإرهابي والمؤتمر الوطني المحلول وجيشهما ومليشياتهما، واصفًا ذلك بامتداد طويل لتاريخ دعم الانقلابات العسكرية وإجهاض الثورات الشعبية في السودان.

ودعا التحالف أعضاء المبادرة الرباعية إلى مراجعة عضوية جمهورية مصر العربية داخل المبادرة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن علاقات الأخوة والصداقة مع الشعب المصري ستظل ثابتة وقوية، وأن الموقف يتعلق بالسياسات الرسمية للنظام المصري فقط، والتي وصفها التحالف بـالمرفوضة جملة وتفصيلًا.

حرب بلا خطوط تماس

هذا التدخل التكنولوجي أسهم في تصعيد غير مسبوق للحرب، التي أودت بحياة عشرات الآلاف وتسببت في نزوح نحو 12 مليون شخص، حيث باتت المسيّرات تؤدي الدور الأكبر في القتال، وفي الوقت ذاته أصابت مساجد ومستشفيات ومحطات كهرباء ومرافق مياه، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين.

 لماذا دخلت مصر الحرب؟

مصادر استخباراتية غربية أرجعت انخراط مصر المباشر في الحرب إلى سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، وهو تطور وصفته القاهرة بتجاوز “الخط الأحمر”، خاصة مع تقدم القوات لاحقًا نحو إقليم كردفان، ما أثار مخاوف مصرية من انهيار كامل للدولة السودانية وتدفق أوسع للاجئين.

وفي ديسمبر، حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علنًا من تطورات السودان، في وقت بدأت فيه المسيّرات التركية من طراز “أقينجي” تنفيذ ضربات دقيقة ضد قوات الدعم السريع.

قاعدة زراعية تتحول إلى منصة عسكرية

وتكشف صور الأقمار الصناعية أن مطار شرق العوينات، الذي كان يُستخدم لنقل العمال والمنتجات الزراعية، شهد منذ عام 2018 توسعًا لافتًا، شمل مدرجًا ثانيًا ونحو 17 حظيرة طائرات، يُعتقد أنها لأغراض عسكرية. كما رُصدت مقاتلات وطائرات مسيّرة ومنظومات اتصالات متقدمة، إلى جانب هبوط طائرات شحن تركية وروسية خلال عام 2024.

وبحسب بيانات حركة الطيران، فإن بعض الرحلات انطلقت من قواعد تركية مرتبطة بشركة Baykar المصنعة للمسيّرات، في حين شغّلت رحلات أخرى شركة روسية خاضعة لعقوبات أمريكية بتهمة تهريب السلاح.

 حرب مسيّرات بلا أفق

ويرى خبراء أن سباق التسلح بالطائرات المسيّرة زاد من فوضى الحرب ودمارها، دون أن يمنح أي طرف أفضلية حاسمة. فقد قُطعت الكهرباء والمياه عن ملايين المدنيين، وتحوّلت المسيّرات إلى أداة لنشر الرعب، بحسب توصيف منظمات حقوقية.

ورغم العقوبات الأمريكية والاتهامات المتبادلة بارتكاب جرائم حرب، لا تظهر أي مؤشرات على قرب نهاية الصراع، بل على العكس، تشير وتيرة الضربات الجوية المنطلقة من القاعدة المصرية إلى تصعيد إضافي بعد سقوط الفاشر.

تهديدات وردود محتملة

وفي اعتراف ضمني بطبيعة التدخل، لوّحت قوات الدعم السريع بالرد، معتبرة أن أي طائرة مسيّرة تنطلق من “قاعدة أجنبية” تُعد هدفًا مشروعًا. وقال قائدها محمد حمدان دقلو في خطاب سابق: “أي مسيّرة تقلع من أي مطار هي هدف لنا، في الزمان والمكان المناسبين.”

الخلاصة

تبرز القاعدة الجوية المصرية السرية كأحد أخطر أسرار الحرب، ودليل واضح على أن السودان بات ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، فيما يشدد تحالف السودان التأسيسي على رفض التدخل المصري الرسمي المنحاز، ومطالبته بمراجعة دور القاهرة في أي مساعي وساطة سياسية.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com