جسرا شمبات والحلفايا .. وثائق ومعطيات تعزز الاتهامات وتكشف ملامح فساد ممنهج

41
الجسر

وكالات – بلو نيوز

تحول ملف تأهيل جسري شمبات والحلفايا من قضية فنية تتعلق بأعمال صيانة وبنية تحتية إلى قضية رأي عام تشغل الساحة السودانية، بعدما تداخلت الأسئلة الهندسية بالاتهامات السياسية، وأصبح المشروع عنوانًا لصراع صلاحيات داخل مؤسسات الحكم في مرحلة ما بعد الحرب.

القضية تفجّرت عقب إفادات اللجنة العليا لدراسة صيانة وتأهيل الجسرين، التي أوضحت في مؤتمر صحفي ببورتسودان أن مسار المشروع بدأ منذ فبراير 2025 بقرار وزاري، أعقبه فحص للمستندات الفنية وزيارات ميدانية، إلى جانب فرض قيود على حركة الشاحنات في الجزء المتضرر من جسر الحلفايا. وأكدت اللجنة أن العقد النهائي، البالغة قيمته أكثر من 41 مليار جنيه سوداني، أُبرم وفق إجراءات فنية، دون أن تتحمل الدولة أي التزامات بالدولار، رغم أن 60% من المواد سيتم استيرادها من الخارج، مشيرة إلى أن اختيار شركة IBC جاء بعد عملية عروض ومراجعات استشارية.

غير أن الرواية الرسمية واجهت تساؤلات واسعة، بعد تداول صور ومقاطع فيديو تُظهر بدء أعمال صيانة قبل توقيع العقد. هذا التطور فتح باب الشكوك أمام احتمالين: إما أن الشركة شرعت في العمل قبل اكتمال التعاقد، أو أن جهة أخرى نفذت أعمالًا تمهيدية قبل إسناد المشروع رسميًا. وفي الحالتين، تصاعدت مطالبات بتوضيحات شفافة حول إجراءات الإسناد، لا سيما في ظل حديث متداول عن ارتباطات سياسية وشخصية بمالك الشركة المنفذة، وهي اتهامات لم تُحسم رسميًا لكنها عمّقت الجدل.

الملف أخذ بعدًا سياسيًا أوسع مع إعلان ولاية الخرطوم توقيع العقد بحضور عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، باعتبار المشروع جزءًا من خطة إعادة إعمار العاصمة التي تشرف عليها لجنة عليا برئاسته. وفي المقابل، أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس توجيهًا يمنع الوزراء والمسؤولين من المشاركة في لجان خارج الجهاز التنفيذي دون إذن مباشر منه، وهو ما فُهم على نطاق واسع بأنه يستهدف لجنة إعادة الإعمار.

مصادر حكومية أشارت إلى أن التوجيه يعكس تحفظات داخل مجلس الوزراء على توسع اللجنة في ملفات تُعد من صميم اختصاص الجهاز التنفيذي، خاصة ما يتعلق بعودة الخدمات والحياة إلى الخرطوم. كما تحدثت ذات المصادر عن اتجاه لإعادة هيكلة اللجنة وتحويلها إلى لجنة إشرافية، في خطوة تعكس حجم التوتر بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وتثير تساؤلات حول الجهة التي تملك القرار الفعلي في إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

في المحصلة، لم يعد الجدل حول جسري شمبات والحلفايا مجرد نقاش تقني بشأن الصيانة والتكلفة، بل أصبح مرآة لأزمة أعمق تتعلق بتوزيع السلطة، وآليات المساءلة، وشفافية إدارة المشاريع العامة. فالجسور التي يُفترض أن تعيد ربط أطراف العاصمة المنهكة، تحولت إلى ساحة اختبار لقدرة الدولة على إعادة ربط مؤسسات الحكم نفسها، قبل أن تعيد وصل ما انقطع بين المدن والناس.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com