حاكم إقليم كردفان في حكومة السلام الأستاذ حمد محمد حامد في أول حوار صحفي: أؤمن بأن ما ضاع من عمر السودان، يمكن تعويضه بالإرادة الوطنية الصادقة والتخطيط السليم

259
145a3ea9-383b-4e1f-af77-c6dd93179f17-1

حوار: راينو الإخبارية

بعد الإعلان عن تعيين المجلس الرئاسي في حكومة السلام والوحدة من جانب تحالف السودان التأسيسي وكذلك حكام الولايات، وتسمية رئيس الوزراء، وأدائهم القسم إيذاناً بعهد جديد، برز اسم “حمد محمد حامد”، كحاكم لإقليم كردفان، باعتباره الإقليم الذي تدور فيه أغلب المعارك العسكرية بين قوات تأسيس والجيش، كما أن وجود النفط فيه جعله نهباً للمطامع من قبل الجيش والمليشيات المتحالفة معه، فظل عدد كبير من السودانيين وقبل الإعلان يتطلعون للتعرف وعن قرب على من تصدى لمهمة إدارة الإقليم الجسيمة والمعقدة، وهم من جموع السودانيين ممن ينظرون لحكومة تأسيس كمخرج من ماض أليم، لم يعرفوا فيه سوى الغارات الجوية للجيش، والتي قضت على يابس قلوبهم وأخضرها. حاورناه في عدد من القضايا، منها الأوضاع الأمنية والخدمات الغائبة بالإقليم، ونفط كردفان الذي وصفه باللعنة، وعن وعوده للمواطنين، وعن العلاقة بين الاقليم والحكومة في ظل الفيدرالية، فماذا قال؟

أثار الإعلان عن تعيين حكام الأقاليم ضمن أعضاء المجلس الرئاسي تفاعلاً كبيراً وسط السودانيين، وظهر ذلك جلياً في المليونيات التي خرجت في عدد من مناطق السودان، ومنها كردفان، وأثار كذلك رغبة في التعرف على من تصدى لمسؤولية أن يكون حاكماً للإقليم في هذا الظرف الذي تمر به البلاد، فمن هو “حمد محمد حامد” حاكم إقليم كردفان؟

أنا حمد محمد حامد خليفة، من مواليد دار الريح – بادية سودري، عام 1963م. درست في مدارس كردفان حتى المرحلة الثانوية، ثم التحقت بجامعة الخرطوم – كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وتخصصت في الاقتصاد البحت.

“فجر السودان يقترب وكردفان هي رأس الرمح في نهضة الوطن القادمة”

عملت في مجال الإدارة والاقتصاد، وأدير حالياً مجموعة الخميس وشركة قمة السلام للذهب. أنا متزوج وأب لخمسة أبناء.

النظام الفيدرالي بصلاحيات واسعة لحكومات الأقاليم جديد على السودانيين، فلو تحدثنا عن العلاقة بين الحكومة الإقليمية والاتحادية في ظل النظام الفيدرالي لحكومة السلام والوحدة، كيف ستتشكل هياكل السلطة في الحكومة الإقليمية؟ وما هي عاصمة إقليم كردفان؟

الفدرالية ليست مفهوماً طارئاً، بل هي مطلب قديم منذ فجر الاستقلال. كثير من السودانيين، وعلى رأسهم أبناء الجنوب، نادوا بها، لكن الحكومات المتعاقبة، خاصة العسكرية منها، رفضت تطبيقها لتبقي السلطة مركّزة في يد قلة ضيقة. كانت تلك واحدة من أسباب تعميق التهميش، بل وأدت في النهاية إلى انفصال الجنوب وهو يتحسر على “الفدرالية” التي حُرم منها.

“الفيدرالية مطلب سوداني قديم أجهضته الحكومات المتعاقبة وأمامنا فرصة تاريخية لتصحيح المسار عبر حكم لا مركزي، بصلاحيات واسعة للأقاليم”

اليوم نحن في ظل حكومة السلام والتأسيس أمام فرصة تاريخية لتصحيح المسار، عبر حكم لا مركزي حقيقي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة ويضع القرار في يد المواطن حيث يعيش. أما عاصمة الإقليم، فسيُحددها التوافق وفق الخارطة الجديدة للتأسيس وبما يخدم المصلحة العامة لكل مواطني كردفان.

“أبناء كردفان قادرون على تحويل مواردها لرافعة اقتصادية ليس للإقليم وحده، بل للسودان بأكمله”

لعل أهم ما يشغل بال المواطن في كردفان هو الوضع الأمني لا سيما غارات الجيش الجوية على الأسواق والمدن والقرى والأحياء السكنية الذي عانى منه مواطنو الإقليم خلال عامين من عمر الحرب، بالإضافة للتحديات الآنية الأخرى في واقع انتقال المعارك لشمال الإقليم، ما هي خططكم في هذا الجانب؟

لا شك أن الغارات الجوية العشوائية التي نفذتها الطائرات، واستهدفت الأسواق والقرى والأحياء، أحدثت دماراً واسعاً وأزهقت أرواح الأبرياء بلا مبرر. هذه الأعمال مرفوضة أخلاقياً وقانونياً، ولا علاقة لها بالحرب بل هي انتهاكات صريحة ضد المدنيين. نحن نعمل مع القيادة الآن على بناء منظومات دفاعية متكاملة، وسنؤمّن سماء الإقليم حتى لا يتعرض أي مواطن لمثل هذا العدوان مستقبلاً. حماية المدنيين خط أحمر لا نقبل تجاوزه.

مواصلة للحديث عن هموم المواطن في الإقليم في واقع معاناته لسنوات طويلة من التهميش ونقص الخدمات من مياه وكهرباء وصحة وتعليم، ومن المعلوم أن مشوار التنمية طويل، لكن لو تعطينا ملامح عن ماذا أعددتم في هذا الجانب؟

ندرك حجم التحدي في هذا الملف. فالتهميش لم يكن عرضياً بل ممنهجاً لعقود طويلة، والخراب الذي طال القطاعات الخدمية والإنتاجية يحتاج لعمل كبير. لذلك وضعنا خططاً شاملة بالتعاون مع خبراء وأبناء الإقليم من العلماء والأكاديميين، وهم كثر ولديهم استعداد كامل للعطاء. رؤيتنا أن تُدار الموارد بتخطيط علمي رشيد، حتى نعيد الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه وكهرباء، ونجعل كردفان مكتفية ذاتياً بل ومصدّرة للخير لبقية السودان.

“قصف الجيش للمدنيين في كردفان جريمة حرب، ونعمل على بناء منظومات دفاعية متكاملة، لتأمين سماء الإقليم”

الاقتصاد وإعادة إعمار ما دمرته الحرب وإدارة موارد الإقليم تحد آخر يواجه سيادتكم، كاقتصادي ما هي فرص الإقليم في أن يكون رافعة لاقتصاد البلاد، بالحديث عن الثروة الحيوانية والصمغ العربي وما يحوي الإقليم من موارد؟

إقليم كردفان غني بثرواته فوق الأرض وتحتها. لدينا الصمغ العربي، الثروة الحيوانية، الزراعة، الذهب، المعادن، والنفط. لكنها لم تُستغل يوماً لصالح الإقليم أو السودان كما ينبغي. رؤيتنا أن تُدار هذه الموارد عبر مؤسسات علمية متخصصة، وبأيدٍ وطنية نزيهة، بعيداً عن العشوائية والفساد. في ظل حكم تأسيسي لا مركزي، أعتقد أن أبناء كردفان قادرون على تحويل هذه الموارد إلى رافعة اقتصادية ليس للإقليم وحده بل للسودان بأكمله.

“أولويتي القصوى هي ملف النازحين والمهجرين، وسندير الموارد بتخطيط علمي رشيد، لتوفير الخدمات الأساسية”

إقليم كردفان الغني بالموارد النفطية عانى طويلاً من لعنة النفط، إذ ظل النفط المستخرج من الإقليم يستخدم في شراء الأسلحة لقتل مواطنيه. البعض يتحدث عن تفاهمات بينكم ودولة جنوب السودان، ماذا تقولون في هذا الجانب؟

صحيح، النفط كان لعنة على كردفان، استُخرج من أرضنا ولم يترك لنا سوى الدمار والحرب. لكننا نريد أن نكتب فصلاً جديداً. النفط بالنسبة لنا يجب أن يكون مورد تنمية لا أداة قتل. علاقتنا مع دولة جنوب السودان تقوم على التفاهم والمصالح المشتركة، ونحن نؤكد أن أي إنتاج مستقبلي للبترول سيتم وفق ترتيبات عادلة بين الحكومة الفدرالية والإقليم، بحيث ننال حقوقنا كمنتجين، ويُستفاد منه لتنمية منطقتنا. لن نقبل بعد اليوم أن يكون النفط سبباً في تعاسة مواطنينا.

“النفط كان لعنة على كردفان ولن نقبل بعد اليوم أن يكون بترولنا سبباً في المجازر التي ترتكب بحق مواطنينا”

كيف تنظرون لمستقبل البلاد والإقليم من الناحية الاقتصادية؟ وماذا أعددتم للقادم في السودان في ظل حكومة تأسيس؟

المستقبل واعد بإذن الله، شريطة أن تتوقف الحرب ويعود الناس لحياتهم الطبيعية. لدينا برنامج تأسيس شامل، أعده خبراء من أبناء الوطن، يتضمن رؤية اقتصادية وتنموية متكاملة لبناء دولة حديثة عادلة. إقليم كردفان سيكون جزءاً أساسياً من هذا البرنامج بما يملكه من موارد وقدرات بشرية. أؤمن أن ما ضاع من عمر السودان بسبب الحروب يمكن تعويضه بالتخطيط السليم والإرادة الصادقة.

ما سيكون أول قراراتك بعد اكتمال هياكل الحكم، ولماذا؟ وماذا تقول للسودانيين في ختام هذا اللقاء؟

أولويتي القصوى هي ملف النازحين والمهجرين. هؤلاء فقدوا كل شيء بفعل الحرب، وواجبي الأول أن أعمل على إعادتهم إلى بيوتهم وقراهم وتوفير حياة كريمة لهم. لا معنى لأي تنمية ما لم يستقر الإنسان في أرضه آمناً مطمئناً.
أما كلمتي للسودانيين: هذا وطن كبير وواسع يسع الجميع، لكن ضاقت رحابته بفعل قوى سياسية أنانية وفاسدة، حولت السياسة إلى تجارة وأشعلت الحروب للحفاظ على مصالحها. اليوم نحن أمام فرصة جديدة لبناء دولة تأسيس عادلة، تقوم على الحرية والمشاركة والمساواة.
أُحيي كل من انحاز للشعب ودافع عن كرامته، وأقول لشعبنا الكريم: إن فجر السودان الجديد يقترب، وإن كردفان ستكون في طليعة النهضة بعزيمة أبنائها وبمواردها الغنية.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com