دكتور الوليد: كيزان قطر .. أين المفرّ؟

4
وليد مادبو

دكتور الوليد آدم مادبو

في السياسة لحظاتٌ تتأخر فيها العدالة، لكنها حين تصل تحمل معها شيئًا من سخرية التاريخ. وهذا ما يلوح اليوم في مصير شبكات الإسلاميين السودانيين التي اعتادت، لعقود، إدارة المؤامرات من خلف المكاتب المكيفة في عواصم بعيدة. فقد ظنّوا أن الجغرافيا السياسية يمكن أن تكون ملجأً دائمًا، وأن المال المنهوب والتحالفات العابرة كفيلة بحمايتهم إلى الأبد. غير أن السؤال الذي يلوح اليوم، ببرودةٍ لا تخطئها العين، هو سؤال واحد: أين المفرّ؟

لقد كانت تركيا، في الحقيقة، المحطة الأثقل في هذه الشبكة. هناك تدفقت الأموال المنهوبة، واحتُفظ بالرسائل الملغومة، واستُقبلت الشخصيات الموهومة التي كانت تظن أنها تدير التاريخ من وراء الستار. غير أن السياسة لا تعرف الصداقات الدائمة؛ إنها تعرف فقط المصالح المتغيرة، وحين ترتفع كلفة الحليف يصبح التخلص منه مجرد خطوةٍ في حسابات الربح والخسارة. وهنا يظهر مكر البراغماتية في أوضح صوره. فأنقرة التي فتحت أبوابها لهذه الشبكات سنواتٍ طويلة بدأت تعيد صياغة روايتها بمهارةٍ باردة، مدّعية أنها لم تكن تتعامل مع تنظيماتٍ أيديولوجية بل مع مؤسساتٍ سيادية. هكذا تُكتب النسخ الجديدة من التاريخ عندما تقترب لحظة الحساب: تُخفى الأوراق القديمة، وتُعدَّل الحكايات، ويتهيأ الفاعلون للقفز من القارب قبل أن يكتمل غرقه.

وليس سرًا أن العلاقات التي نسجها النظام التركي مع هذه الشبكات لم تكن يومًا علاقات مبدئية. لقد كانت، منذ البداية، علاقات مصلحية بحتة؛ المال يتدفق، والنفوذ يتمدد، والأدوار تتوزع في صمت. وفي قلب هذه المعادلة يقف أردغان، ذلك المؤمن التقي، الذي لم يتردد في بيع الطائرات المسيّرة للجيش السوداني، تلك المليشيا العقائدية التي لم تتوانَ لحظة عن استهداف المواطنين ونسف الأعيان المدنية، بينما كانت الخطابات الأخلاقية تُلقى على المنابر لتزيين تجارةٍ في الحرب لا أكثر.

لقد نظرت هذه القوة الإقليمية ذات الإرث الإمبراطوري إلى انتفاضة الريف السوداني وثورته العسكرية باعتبارها تهديدًا لمصالحها الحيوية. ولم يكن سرًا أن شهية النهب ظلت مفتوحة تجاه ثروات السودان، وأن التعويل على النخب المرتشية والمرتهنة للخارج كان الطريق الأسهل لإدارة المشهد من بعيد، حتى ولو كان الثمن تعطيل إرادة الشعب ومصالحه الاستراتيجية. ومن هنا تبدو المشكلة أعمق من مجرد تحالفات عابرة. فتركيا ومصر – بحكم تاريخٍ طويل من الإرث الإمبراطوري – ما زالتا تنظران إلى المجال السوداني بعينٍ استعمارية كامنة، لن تتغير بسهولة ما لم تظهر قيادة سودانية وطنية ترسم خطوط المفاصلة على الأرض وشواهد الكرامة على السماء. عندها فقط يمكن أن تقوم علاقة متكافئة تخدم شعوب المنطقة، لا مصالح الأليغاركية العسكرية ولا الجماعات الإخوانية.

أما كيزان قطر، الذين اعتادوا لسنوات أن يجعلوا من الدوحة غرفة عمليات جانبية، فيبدو أنهم يتهيأون اليوم للرحلة التالية. فالملاذ الذي يلوح في مخيلتهم هو تركيا؛ هناك حيث يظنون أن الأبواب ستظل مفتوحة، وأن الحليف القديم سيستقبلهم بالوفاء ذاته الذي عرفوه من قبل.لكن المفارقة أن هؤلاء لم يدركوا بعد طبيعة البراغماتية التي تحكم تلك العلاقة. فالرجل الذي بنى سياسته على الحسابات الباردة لن يتردد، إذا اقتضت المصلحة، في التضحية بالحلفاء أنفسهم. والتاريخ القريب يقدّم مثالًا صارخًا: تلك المسرحية الطويلة التي أحاطت بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، حين بدا الأمر أول الأمر وكأنه مواجهة أخلاقية كبرى، قبل أن يُسدل الستار على المشهد كله في تسويةٍ باردة مقابل مكاسب سياسية ومالية.

وتحضر هنا تلك الحكاية الإفريقية التي تتناقلها الدبلوماسيات القديمة: حاكمٌ نهب ثروات بلاده وأودعها في بنوك أوروبا مطمئنًا إلى “أمانة” الرجل الأبيض. وعندما مات، جاء أبناؤه يطالبون بالإرث، فاستقبلهم موظف البنك بهدوءٍ مهني وأكد لهم أن الثروة موجودة بالفعل، لكنه يحتاج فقط إلى بصمة عين صاحبها. عندها أدرك الورثة، متأخرين، أن المال الذي يخرج من الوطن قد لا يجد طريقه إلى العودة.

ولذلك قد يكتشف كيزان قطر – عندما يصلون إلى محطتهم التالية – أنهم لم يغادروا المأزق بل انتقلوا فقط من غرفةٍ إلى أخرى داخل المتاهة. وحين تضيق بهم الدوائر، وتتبخر الأوهام، قد لا يبقى أمام بعضهم سوى أن يتمددوا في المنافي القريبة، حيث لا مجد ينتظرهم ولا حلفاء يمدون اليد.

هناك، في أطراف الدوحة الصامتة، قد تستقبلهم رمال مسيمير الحارقة ومقابر أبو هامور الجارفة، فيدركون – متأخرين كعادتهم – أن التاريخ يكتب أحيانًا خاتمته الساخرة ببطءٍ شديد… ثم يترك الجواب معلقًا فوق رؤوسهم:

﴿كَلَّا لَا وَزَرَ ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com