د. الفاتح جمعة: لماذا مُنح هؤلاء العلماء جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2025؟

137
الفاتح جمعة

د. الفاتح جمعة (باحث متخصص في تطوير الطائرات بدون طيار (UAV) – محلل بيانات)

في كل عام، تُذكّرنا جائزة نوبل بأن حدود المعرفة العلمية لا تتوقف عند ما نعرفه، بل عند ما نجرؤ على تخيّله وتجسيده في الواقع. وفي عام 2025، حملت جائزة نوبل في الفيزياء بعدًا استثنائيًا، إذ منحتها الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم إلى ثلاثة من أبرز الفيزيائيين التجريبيين في عصرنا الحديث: جون كلارك من جامعة كاليفورنيا – بيركلي، وميشيل هـ. ديفور من جامعة ييل، وجون م. مارتينس من جامعة كاليفورنيا – سانتا باربرا، تقديرًا لإثباتهم أن الظواهر الكمّية يمكن أن تظهر بوضوح في أنظمة ماكروسكوبية يمكن حملها باليد، وليس في الجسيمات متناهية الصغر فقط.

تمثّل إنجازهم في نقل فيزياء الكم من عالمها المجهري إلى نطاق يمكن تصميمه وهندسته وقياسه بدقة. استخدم العلماء الثلاثة دائرة تُعرف باسم وصلة جوزيفسون (Josephson Junction) — وهي نظام فائق التوصيل يتكوّن من طبقتين فائقتي التوصيل يفصل بينهما حاجز عازل بسماكة نانومترية. في هذا النظام، لاحظوا ظاهرة الأنفاق الكمّي (Quantum Tunneling)، حيث تمكن التيار الكهربائي من العبور عبر الحاجز دون أن يمر فعليًا من خلاله، إضافة إلى رصد مستويات طاقة منفصلة (Quantized Energy Levels) داخل الدائرة نفسها، على نحو مشابه لما يحدث في ذرة الهيدروجين.

كان ذلك أول برهان تجريبي على أن تيارًا كهربائيًا ماكروسكوبيًا يمكن أن يُظهر سلوكًا كمّيًا بحتًا. باستخدام تقنيات تبريد فائقة وتقنيات قياس دقيقة، تمكن الباحثون من إثبات أن مبادئ مثل تكميم الطاقة والتراكب الكمّي (Superposition) يمكن أن تتجسد في أنظمة هندسية مكوّنة من بلايين الإلكترونات. وهكذا تحولت ميكانيكا الكم من إطارٍ نظري إلى أداة هندسية قابلة للتحكم، ما مهّد الطريق لولادة مجال الهندسة الكمّية (Quantum Engineering).

جاء في البيان الرسمي للأكاديمية الملكية السويدية للعلوم:
“لقد أثبتت هذه التجارب أن التأثيرات الكمّية يمكن أن تكون ملموسة على نطاق ماكروسكوبي، في نظام كبير بما يكفي لأن يُمسك باليد.”

بهذه التجارب، تقلّصت المسافة بين النظرية والتطبيق، وولد من رحمها جيل جديد من التقنيات التي أعادت تعريف العلاقة بين الفيزياء والهندسة. فقد أصبحت دوائر جوزيفسون اليوم الأساس في بناء الكيوبتات فائقة التوصيل (Superconducting Qubits) — وهي الوحدات الأساسية للحوسبة الكمّية. تعتمد هذه الكيوبتات على التحكم في الحالة الكمّية للتيار الفائق داخل دائرة مغلقة باستخدام نبضات ميكروويف دقيقة تُنفّذ عمليات منطقية كمّية تُعرف بـ البوابات الكمّية (Quantum Gates).

تُستخدم هذه التقنيات حاليًا في أنظمة Google Quantum AI وIBM Quantum وRigetti Computing، حيث تُدمج مئات الكيوبتات في رقاقات تُبرد إلى درجات حرارة تقارب الصفر المطلق (حوالي 10 ميلي كلفن) داخل ثلاجات تمييع الهيليوم. تتيح هذه الأنظمة إجراء عمليات كمّية بسرعة ميكروثانية ودقة تصل إلى أجزاء من المليون، وهو ما يجعلها المرشح الأبرز لبناء معالجات كمّية قابلة للتوسع (Scalable Quantum Processors).

ولا تقتصر آثار هذا الإنجاز على الحوسبة فقط، بل تمتد إلى الاستشعار الكمّي (Quantum Sensing)، حيث تُستخدم الدوائر فائقة التوصيل لقياس الحقول المغناطيسية والكهربائية بدقة غير مسبوقة في تطبيقات تمتد من فيزياء الفضاء إلى الطب النووي. كما تُعد هذه المبادئ حجر الأساس لتقنيات التشفير الكمّي (Quantum Cryptography)، التي تعتمد على القوانين الفيزيائية لضمان أمان الاتصالات، ما يجعل اختراقها مستحيلًا من الناحية النظرية.

لقد أسست هذه الأبحاث لمنعطف علمي وتكنولوجي جديد؛ فكما كان اختراع الترانزستور في منتصف القرن العشرين بوابة عصر الإلكترونيات الكلاسيكية، يمثل اكتشاف النفق الكمّي الماكروسكوبي وتكميم الطاقة في الدوائر فائقة التوصيل الانطلاقة الفعلية لعصر الإلكترونيات الكمّية. وإذا كان القرن العشرون هو قرن الإلكترون، فإن القرن الحادي والعشرين هو بلا شك قرن الكمّ، حيث تتحول الفيزياء إلى هندسة، والمفاهيم النظرية إلى أدوات تقنية تشكّل بنية المستقبل العلمي والتقني للبشرية.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com