عبد الرحمن ابوكيس: شقاء السودان بسبب حكامه!!

76
انفجار-الخرطوم-حرب-770x470

عبد الرحمن ابوكيس

 

ظلَّ السُّودان طوال عمر دولة ما بعد الاستقلال، يَشهد نزاعاتٍ مسلَّحةً وحروباً أهلية أنتجتها عواملُ مرتبطة بانعدام الرؤية لتأسيس دولة المواطَنة المتساوية، التي يقودها مشروعٌ وطنيٌّ قائمٌ على إدراك طبيعة وتعقيدات التنوُّع السوداني ومطلوبات التخطيط لإدارته، وجعله محور صناعة السياسات العامَّة ومشروع الدولة وقيَم الشراكة الوطنية بين مكوِّنات المجتمع السوداني؛ بحيث ينمو الشُّعور بوحدة الانتماء الوجداني للتراب الوطني، والتأكيد الطبيعي على وحدة المصير المشترك. إجمالاً، يُمكن تأطير الدوافع التي حدَتْ ببعض السودانيِّين إلى حمل السلاح في وجه سيطرة بعض الطبقات النُّخبويَّة والصَّفَويَّة على مقاليد الأمور والسيطرة على مراكز صناعة القرار في الشأن السوداني، منذ حقبة ما بعد ثورة اللواء الأبيض في العام 1924، إذ بدأت بوادر ردود أفعال هذه النُّخب والصفوة، في المضي قدماً نحو إعادة تعريف النضال ضد المستعمر، وفق ما يتواءم مع مصالحها في السيطرة ومصادرة الإرادة الجمعيَّة للشعب السوداني؛ وذلك بالعمل على استخدام بِنية التنوُّع السوداني كأداةٍ وحاضنةٍ اجتماعية عبر تكريس مفاهيمَ وسُلوكيَّاتٍ للعمل العام أدَّت إلى انقسام اجتماعي حاد، لأنَّ هذا النهج قاد إلى شعور بعض المُكوِّنات الاجتماعية بأنها صاحبة الامتياز في القيادة، والآخرون ما هُم إلاَّ توابع. ولكي تؤكِّد هذه النُّخب والصفوة سيطرتها، كان لا بدَّ لها من حاضنة اجتماعية وثقافية أوسع نطاقاً، فتمدَّدت نحو المحيط العربي لكسب مزيدٍ من القوى عبر التعبير الصريح عن عُروبيَّة السودان في تعمُّد واضح لإبعاد المجتمع السوداني الأفريقي عن القيادة وصناعة القرار. وهنا مَكمَن الداء في العقل السياسي والثقافي الذي شكَّل حقبة دولة ما بعد الاستقلال التي بدأت مؤشرات تواريها وانتهاء حقبتها ببداية ثورة ديسمبر 2018 الماثلة؛ فهي مؤشِّر للتحوُّل في العقل الاجتماعي والشعبي السوداني؛ حيث تتجلَّى بوضوح تامٍّ حالة التباين بين الأفق الشعبي الجديد والعقل السياسي القديم بكل مُكوِّناته. هذا السُّلوك النخبوي الصفوي القاتم يتجلَّى في أربعة مسبِّبات جذرية دفعت المواطنين السودانيين في أقاليم: الجنوب والنيل الأزرق والشرق إلى اختيار الكفاح المسلح في وجه النخب والصفوة الحاكمة، كإحدى أدوات العمل السياسي غير الإنسانية، وهو يشبه العلاج بالكي، لانعدام الخيارات وانسداد صمَّام العقل المسيطِر وعدم قابليته لإعادة الانفتاح نحو الشراكة الوطنية العادلة بين كل مُكوِّنات الشعب السوداني دون تمييز على أساس العوامل الأربعة التي تُشكِّل جذور النزاعات المسلحة في السودان وهي: الهُـويَّة، المشارَكة، الشرعية والموارد. وتتفرَّع إلى أسباب ومُحفِّزات وسُلوكيَّات استطاع أبناء هذه الأقاليم إدراكها بما انتجهته من صراع اجتماعي وسياسي غير نزيهٍ ويفتقر إلى البُعد الإنساني؛ فاختاروا طريق النضال المسلَّح تحت مِظلَّة ما عرَّفه لاحقاً الرَّاحل جون قرنق، بأنَّه صراع المركز والهامش، وهو في نظري مركز طبقي، نخبوي وصفوي، وهامش مَصادِر الحقوق والواجبات تمَّ تغييبه عمداً عن صناعة قراره الوطني. بعد تمرُّد توريت عشيَّة استقلال السودان في العام 1955، فطنت الصفوة النخبوية المسيطِرة إلى أن قوى الهامش أدركت طبيعة الصراع، وأنَّها لن تستسلم لسيطرتها، فعمَدتْ هذه النًُخب إلى بناء تحالفات من ضباط الجيش السوداني، وذلك لإحكام سيطرتها وقمع قوى الهامش؛ فكان أن تمَّت مصادرة مِهْنيَّة الجيش السوداني وحياديَّته واستخدامه في الصراع، فتعمَّقت أزمة الدولة السودانية وصارت الأمور تُدار بمنطق تحالفات مراكز القوي المبنية على إحكام السيطرة والتمسُّك بالامتيازات المُتحصَّل عليها جزافاً، فكانت الحصيلة استمرار الحرب في السودان حتى ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، على الرغم من الوصول إلى تسويات سلامٍ في فترات مختلفة، اتفاقية أديس أبابا 1972 واتفاقية السلام الشامل 2005، إضافة إلى اتفاقيات أخرى متعدِّدة، مُضافاً إلى ذلك أن العسكريين صاروا هم حكَّام السودانيين الحقيقيين؛ لذا حكموا لأكثر من ثلثي دولةِ ما بعد الاستقلال، بتواطؤ صريح من الصفوة النخبوية وتضليلها الدؤوب للشعب السوداني. نظام البشير الذي أسقطه الشعب السوداني في أبريل 2019 عبر تراكم مقاومته المستمرة له، يشكل ذروة تجلِّي أزمة العقل السياسي السوداني القديم وخطل المشروع النخبوي للصفوة المتكلِّسة داخل قوقعة مصالحها الطبقية وتحالفاتها غير المعنية ببناء المشروع الوطني السوداني، ممَّا قاد إلى فصل جنوب السودان وذهابه إلى دولته المستقلة، وشنِّ حروب الإبادة والتمييز العرقي الدموية العنيفة على المدنيين في أقاليم الهامش بصورة تصاعدية أدَّت إلى تفكيك البنية الاجتماعية للسكَّان، وخلق بيئة قادت إلى حروب أخرى قبلية بين سكان هذه الأقاليم بصناعة ودفع من نظام البشير الدموي. لم يكن نظام البشير مُنبتَّاً، وإنَّما هو محصِّلة الخلل التاريخي في بنية العقل السياسي وتحالفاته واتجاهات تفكيرة الساعية باستمرار إلى عدم العمل على الاستفادة من الأخطاء وبذل الجهد من أجل إحداث التنمية السياسية اللازمة لإصلاح الخطأ وتطوير الرؤي والأفكار. نظام الجنرال البشير، مسنوداً بمؤسسته السياسية والآيدلوجية، ارتكب مجازر غير مسبوقة في الشعب السوداني في أقاليم الهامش من قتلٍ جماعيٍّ يرقى إلى مستوى الإبادة، التهجير واللجوء والنزوح، الاغتصاب ومصادرة الممتلكات والموارد، موظفاً في ذلك بنية اجتماعية غير متماسكة، وإنَّما مُتعايشة وفق شروط هشَّة قابلة للتفكيك. مضافاً إلى ذلك ضياع العقل السياسي المعارض له في خِضمِّ التشظِّي وعدم توفُّر الإرادة المرتبطة بالقدرة على مواجهة هكذا عنف من جانب الجنرال البشير، بعد ثلاثين عاماً مضرَّجة بالدماء، أودَتْ بمئات الألوف من أرواح المدنيين، ودمَّرت حيوات الملايين، مخلفة وراءها حزناً عميقاً ومأساة إنسانية أكثر عمقاً، الذي شكل وعياً جديداّ لدى الضحايا والرأي العام الشعبي والقوى السياسية المدنية والمُسلَّحة بضرورة مساءلة المجرم والمسؤولين عن هذه الفظائع، ومن جانب آخر، الاعتراف بالضحايا وإنصافهم. حالياً تتم حماية المجرم الجنرال البشير بواسطة قيادة جيش البرهان الذي تسيطر عليه الحركة الاسلامية التنظيم الارهابي؛ ولكنه يظل مطلوبا ومعه آخرون من زُمرته لدى المحكمة الجنائية، بسبب مسؤوليته عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، وهنا يكمن السؤال الأساسي، وهو كيفية تحقيق العدالة بشِقَّيها: عدم إفلات البشير من العقاب وإنصاف الضحايا على الأرض؟

يتمسَّك الضحايا بحقهم في القصاص وفقاً لمطلوبات العدالة الجنائية، وفي ذات المنحى حقهم الأصيل في الإنصاف بما يُشعرهم بالرضا، فمثول البشير أمام المحكمة الجنائية بالنسبة للضحايا يُحقق ذلك؛ خصوصاً وأن الجنرال البشير بعد ما صدرت مذكِّرة المحكمة الجنائية الدولية في العام 2009 بالقبض عليه، كمتَّهَم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترقى إلى الإبادة الجماعية، عمد إلى تحويل الأمر إلى الانتقام من الضحايا ومحيطهم الاجتماعي، بالأخص في دارفور؛ حيث تمادى في ممارسة العنف المُطلَق ضد المدنيين، موغلاً في ارتكاب الانتهاكات بصورة هستيرية، في تجاوز سافر للقيَم الإنسانية، واحتقاراً للعدالة وتحدياً للعالم. فإذا ما تمَّ تسليم البشير للمحكمة الجنائية، سنكون بذلك قد أعدنا الاعتبار للعدالة الدولية ومكَّنَّاها من التصدِّي لأمثاله من المستبدِّين وردعهم، ومنحنا الضحايا الشعور الأصيل بالإنصاف وكسر شوكة التحدي الأرعن للقيَم الإنسانية الذي يَسِم الحكَّام المستبدِّين ويجعلهم يتمادون في الاستبداد كلما رُفعت في وجوههم رايات العدالة. ثمَّ أن مثول البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية، سيُسهم في تدعيم الجهود المطلوبة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي وفق منظومة رؤى مؤسَّسة على قيَم العدالة المحلية والدولية، ويُمهد الطريق أمام المشروع الوطني المأمول إيجاده من أجل إعادة صياغة مفهوم الدولة في العقل السياسي والاجتماعي السوداني على أساس التنوُّع وإدارته، والتخطيط الوطني لصناعة مُوجِبات الشراكة الوطنية بين مكوِّنات المجتمع السوداني؛ الشيء الذي سيؤدي إلى مخاطبة جذور ومسبِّبات التزاعات المسلحة في السودان عبر تفكيكها من جذرها التاريخي وتجاوز مكامن انبعاثها. مردُّ ذلك يعود إلى أنَّنا في كل تجاربنا التاريخية لتسوية النزاعات المسلحة، نصل إلى اتفاقات سلام سياسي؛ كما حدث في أديس أبابا 1972 ونيفاشا 2005 دون إعمال مبادئ العدالة الانتقالية بكل مساراتها القضائية وغير القضائية، ممَّا وفَّر مخرجاً كبيراً للمُنتهِكين للإفلات من العقاب وبقاء الضحايا على حالهم دون إنصاف. لذلك ظللنا نعود إلى الحرب عقِب كل اتفاق سلام. فمحاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية، هي محاكمة لكل تاريخ الانتهاكات والجرائم ضد المدنيين في السودان، ولها رمزيتها التي تحفظ للإرادة الوطنية انتقالها إلى الأمام نحو بناء الدولة المساءَلة الوطنية والدولية، وحماية المواطنين من صلف الحكام، وتهذيب السلوك السلطوي ليكون في رعاية حقوق الإنسان وليس انتهاكها. كما أنَّها ستعمل على تحجيم طموح العسكريين السياسي في الإمساك بمقاليد السلطة مباشرة أو التفافاً، خوفاً من إعمال مبدأ المساءلة الحاسمة.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com