غربي تيغراي .. القنبلة التي تهدد بإعادة تفجير الصراع في إثيوبيا

167
لتقراييي

وكالات – بلو نيوز الاخبارية

تتصدر منطقة غربي تيغراي المشهد الإثيوبي مجددًا باعتبارها القنبلة الموقوتة التي قد تُعيد إشعال الحرب في شمال البلاد، بعد أكثر من عام ونصف على اتفاق بريتوريا الذي وضع حدًا – ولو مؤقتًا – للقتال الدامي بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

هذه المنطقة، التي يطلق عليها الأمهرة اسم “ولقايت” بينما يعرفها التيغراي بـ“غربي تيغراي”، تجسد عقدة الصراع العرقي والتاريخي والجغرافي والاقتصادي في إثيوبيا. فمنذ اندلاع الحرب في نوفمبر 2020، تحولت إلى مسرح دموي للصراع على الأرض والهوية، وظلت بمثابة الملف الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد الحرب، لما تحمله من رمزية سياسية وأهمية اقتصادية وإستراتيجية بالغة.

جغرافيا الصراع .. عقدة الحدود والتاريخ

تقع غربي تيغراي على مفترق طرق حيوي بين إثيوبيا وإريتريا من الشمال، والسودان من الغرب، بينما يحيط بها إقليم أمهرة من الجنوب والشرق. إداريًا، تضم ثلاث مقاطعات هي حمرة، وولقايت، وتسيغدي، وتعد مدينة حمرة كبرى حواضرها.

قبل عام 1991، كانت المنطقة تتبع شمال غوندر في إقليم أمهرة، لكن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، عقب صعودها إلى السلطة، ضمتها إداريًا إلى إقليم تيغراي بموجب النظام الفيدرالي العرقي الذي أُقرّ في دستور 1995.

اعتمد القرار آنذاك على تعداد 1994 الذي أظهر أن 97% من سكان المنطقة ينتمون إلى قومية التيغراي، غير أن هذا التعداد يظل مثار جدل، إذ يرى الأمهرة أنه تم ضمن سياسة “التغيير الديمغرافي” لصالح تيغراي، خاصة أن تعداد 1984 كان قد قدّر نسبة التيغراي في شمال غوندر بـ6% فقط.

هذه التباينات جعلت الأمهرة يعتبرون ما جرى استيلاءً على أراضيهم التاريخية، مستشهدين بوثيقة “تيغراي الكبرى” الصادرة عام 1975، التي كشفت عن طموحات توسعية للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي لضم أراضٍ من أمهرة إلى تيغراي، وهو ما يراه التيغراي بدورهم “ادعاءات تفتقر للأدلة الصلبة” وتغفل الحقائق التاريخية والإثنية للمنطقة.

اقتصاد الذهب الأبيض .. ثروة السمسم وصراع النفوذ

لا تقتصر أهمية غربي تيغراي على بعدها الجغرافي والتاريخي، بل تمتد إلى ثرواتها الزراعية والاقتصادية. فالمنطقة من أكثر مناطق إثيوبيا خصوبة، وتتمتع بوفرة الأمطار ووجود نهري تكزي وأرنا، ما جعلها سلة غذاء خصبة، بخلاف هشاشة الأمن الغذائي في إقليم تيغراي شبه القاحل وندرة الأراضي الزراعية في أمهرة.

وتشتهر المنطقة بزراعة السمسم الإثيوبي عالي الجودة، الذي يُعرف بـ“الذهب الأبيض”، ويعد ثاني أهم محصول تصديري للبلاد بعد القهوة، إذ يشكل 14% من إجمالي الصادرات الإثيوبية، ويأتي 31% من الإنتاج الوطني لبذور السمسم من تيغراي.

لكن منذ سيطرة المليشيات الأمهرية على المنطقة بدعم من الجيش الفيدرالي، تحولت تجارة السمسم إلى مصدر تمويل للصراع، وفق تقرير منظمة “ذا سينتري” الأميركية، حيث تُباع شحنات السمسم من ولْقايت مقابل دعم عسكري وتدريب تقدمه إريتريا للمليشيات.

اتفاق بريتوريا .. سلام مؤقت أم هدنة هشة؟

أنهى اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في نوفمبر 2022 الحرب رسميًا، لكنه ترك ملف غربي تيغراي دون حل جذري، حيث نصّ فقط على “حوار لحل النزاع حول المناطق المتنازع عليها”.

اليوم، ومع تواتر أنباء عن حشود عسكرية للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قرب المنطقة، تتصاعد المخاوف من لجوء التيغراي إلى الخيار العسكري لاستعادة السيطرة، وهو ما قد يدفع الأمهرة والمليشيات المتحالفة معهم إلى رد عنيف، ويُعيد البلاد إلى دائرة الحرب التي كلفت مئات الآلاف من القتلى والملايين من النازحين.

حجج متصارعة ومأزق مستمر

  • التيغراي: يستندون إلى دستور 1995 والتعداد السكاني لعام 1994 لتأكيد أن غربي تيغراي جزء لا يتجزأ من إقليمهم، معتبرين أن سيطرة الأمهرة عليها “احتلال” يجب إنهاؤه.
  • الأمهرة: يعتبرون المنطقة “أرضًا تاريخية” تم ضمها قسرًا إلى تيغراي، ويرون أن استعادتها “تصحيح لمسار تاريخي مغلوط”.

وبين هذين الموقفين، تقف الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد في موقف حرج، إذ تخشى من أي خطوة قد تؤدي إلى تفجير حرب جديدة أو تقويض نفوذها بين حلفائها الأمهرى والتيغراي على حد سواء.

هل يقترب الانفجار؟

مع تزايد التحركات العسكرية والمخاوف من استئناف القتال، يرى مراقبون أن غربي تيغراي قد تكون الشرارة الجديدة التي تعيد البلاد إلى مربع الحرب، خاصة أن جذور الصراع لم تُعالج، وظلت قضايا الأرض والهوية والاقتصاد معلقة دون حلول نهائية.

ويحذر خبراء من أن استمرار التوتر دون حل سياسي شامل قد يؤدي إلى تفكك الدولة الإثيوبية، خاصة في ظل التنافس الإقليمي وتدخل أطراف خارجية تسعى لتعزيز نفوذها عبر تغذية النزاعات الداخلية.

 

 

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com