كامل إدريس .. يشعل الخلافات داخل معسكر البرهان!
بورتسودان – بلو نيوز الاخبارية
في لحظة سياسية بالغة الحساسية، وفي ظل وطن تتقاذفه نيران الحرب وانهيارات الدولة، فجر الفريق أول عبد الفتاح البرهان خلافًا عميقًا داخل معسكره بإعلانه تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء، دون التشاور مع حلفائه من قادة الحركات المسلحة الذين كانوا حتى وقت قريب حجر الزاوية في شرعية السلطة العسكرية منذ اتفاق جوبا للسلام.
لم يكن الإعلان مفاجئًا في مضمونه بقدر ما كان كاشفًا لانهيار التوازن الهش داخل المعسكر بورتسودان فالتعيين تم في غياب التنسيق مع جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية السابق، ومني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور، وهما اثنان من أبرز القادة الذين ساندوا انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021، وظلوا جزءًا من النظام حتى تفجرت الحرب في أبريل 2023.
كامل إدريس: رجل قانون في زمن البندقية
كامل إدريس، الذي لمع اسمه في الأوساط الدولية كخبير قانوني ومدير سابق للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، يمثل وجها تكنوقراطيًا بعيدًا عن المؤسسات العسكرية والحركات المسلحة، لكنه أقرب إلى رؤية “حكومة واجهة مدنية” تفتقر للسلطة الحقيقية، وجاء اختياره على ما يبدو في محاولة من البرهان لإعادة ترميم صورة دولته أمام الخارج، الذي بات يزداد عزوفًا عن دعمه مع تصاعد الاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة في الحرب.
لكن ما يعتبره البرهان محاولة “تجميل سياسي”، رآه حلفاؤه السابقون طعنة في خاصرة التحالف. فجبريل ومناوي لم يستشارا، ولم تعرض عليهما ملامح الحكومة القادمة، رغم أنهما ما زالا يسيطران على مفاصل مهمة في حكومة البرهان، واحد وزير للمالية والأخر حاكم إقليم دارفور.
تصدع التحالف
ما حدث لم يكن مجرد تجاوز بروتوكولي، بل إعلان ضمني من البرهان عن بداية مرحلة جديدة يتخلص فيها من أعباء الشراكة مع قادة الحركات المسلحة، بعد أن انتهى دورهم السياسي كغطاء للانقلاب. البرهان الذي يعيش تحت ضغط الحرب، ويفتقر للسيطرة الكاملة على الأرض، يبحث عن شرعية بديلة، لعلها تأتي من وجه مدني مقبول دوليًا.
لكن السؤال الأهم: هل يمكن لحكومة يرأسها كامل إدريس أن تصمد أمام تعقيدات المشهد؟ وهل يملك الرجل أدوات التأثير في منظومة منهكة أمنيًا، منهارة اقتصاديًا، وممزقة سياسيًا؟
مناوي وجبريل: من حلفاء إلى معارضين؟
رد الفعل من الحركتين لم يتأخر كثيرًا. إذ بدأت الأصوات ترتفع في محيطهما ضد ما سمي بـ”تجاوز الشراكة” و”تشكيل حكومة مفروضة”، وهو ما يفتح الباب أمام تغير موازين التحالفات، بل واحتمال انتقال مناوي وجبريل من موقع الدعم الرمزي للجيش إلى موقع المعارضة، أو على الأقل الحياد السلبي.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التصدع إلى تفكك كامل للمعسكر الحكومي، وفتح الباب أمام مزيد من الانفلات والانهيار في الواقعة تحت سيطرة الجيش في شرق وشمال السودان، خاصة وأن الحركتين تحتفظان بقوات ميدانية لا تزال فاعلة في بعض هذه الولايات، وقد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع سلطة جديدة لا تعترف بها ولا تشركها في القرار.
تعيين كامل إدريس ليس مجرد حدث إداري، بل منعطف سياسي حاد قد يرسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب، أو على الأقل، مرحلة ما بعد الشراكة بين العسكر والحركات المسلحة. وهي لحظة تكشف بوضوح أن المعسكر الذي قاد الحرب، ودخلها بحلف واسع، بدأ يفقد تماسكه أمام ضغط الميدان، وعزلة الخارج، وغياب الرؤية السياسية.
وإذا لم يستدرك البرهان هذا الانقسام، فقد يجد نفسه قريبًا محاصرًا من الجميع، من الدعم السريع على الجبهات، ومن الحركات المسلحة الدارفورية، ومن القوى المدنية التي ترفض أي حكومة لا تأتي عبر عملية سياسية شاملة وعادلة.
أما كامل إدريس، يدخل اليوم واحدة من أكثر المهام انتحارًا في تاريخ السودان الحديث، رئاسة حكومة بلا مؤسسات، في ظل دولة بلا سيادة، وسط معسكر مفكك، وساحة حرب مفتوحة.
فهل سيكون إدريس مجرد “واجهة” لسلطة تتآكل؟ أم قادرًا ولو بشق الأنفاس على فتح نافذة صغيرة في جدار الأزمة؟
