كيف خرج مطار بورتسودان عن السيطرة؟ .. وكيف تحول إلى بوابة تهديد إقليمي؟

248
مطار بورتسودان

في ظل تصاعد الأزمة السودانية، لم يعد مطار بورتسودان مجرد مرفق مدني، بل تحول إلى نقطة اشتعال إقليمي ومركز نشاط عسكري مشبوه، يخضع لسيطرة غير رسمية ويثير مخاوف دولية متزايدة، وهذا التقرير يرصد الخلفيات الحقيقية لقرار الإمارات بوقف الرحلات القادمة من المطار، ويكشف بالأدلة كيف أصبح المطار أداة في أيدي تحالفات مسلحة وأجندات خارجية تهدد أمن المنطقة واستقرارها.

تقرير– خاص: بلو نيوز الإخبارية

في خطوة مفاجئة للبعض، ومتوقعة لمن يتابع تطورات الملف السوداني بعين فاحصة، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة وقف جميع الرحلات القادمة من مطار بورتسودان.

ورغم أن القرار يحمل في طياته أبعادًا أمنية ودبلوماسية واضحة، إلا أن الإعلام الموالي للجيش وقوى النظام البائد سارع إلى تقزيمه، بل وتزييف أسبابه، محاولاً تصويره كخطوة عابرة أو إجراء فني، في تجاهل متعمد لحقيقة أن مطار بورتسودان لم يعد منشأة مدنية، بل بوابة عسكرية وأمنية مشبوهة، تشكل خطرًا متصاعدًا على أمن المنطقة.

القرار الإماراتي .. رد على “إعلان عداء” لا أكثر

يؤكد الأستاذ مجاهد بشرى، الباحث والمحلل السياسي، أن القرار الإماراتي لم يكن عبثيًا ولا مفاجئًا، بل أتى كرد فعل مباشر على تهديدات رسمية أطلقها مسؤولون سودانيون يتبعون سلطة بورتسودان، من أبرزها: وصف الإمارات بأنها “دولة عدوة” من قبل قيادات بارزة في الجيش، مثل اللواء ياسر العطا، وتهديدات صريحة بـ”نقل المعركة إلى داخل الأراضي الإماراتية”.

ويطرح بشرى سؤالًا منطقيًا: “هل يمكن لأي دولة تحترم أمنها أن تستمر في استقبال رحلات من مطار يسيطر عليه تحالف مسلح، له علاقات وثيقة مع إيران والحرس الثوري؟”، والإجابة كما يوضح: واضحة – لا.

مطار بورتسودان .. منشأة أمنية خارج السيطرة

لم يعد المطار مجرد مرفق للنقل الجوي، بل تحول إلى معبر عسكري غير منضبط، خاضع بالكامل لسيطرة عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية وذراعها العسكري – الجيش. غياب الرقابة المدنية المستقلة جعل من المطار منصة لصفقات تسليح مشبوهة، وهبوط متكرر لطائرات عسكرية إيرانية، فيما نشاط الحرس الثوري الإيراني لم يعد سرًا، بل أصبح مشهدًا يوميًا علنيًا.

يقول مجاهد بشرى: “لا يمكن أن يُصنف هذا المطار اليوم كمرفق مدني، بل هو نقطة متقدمة في شبكة أمنية تنشط فيها المليشيات وتُدار وفق أجندات خارجية.”

وجهة نظر أمنية أمريكية: “مطار مختطف

يقول جيمس بارنيت، الخبير الأمني الأمريكي المختص في شؤون القرن الإفريقي، في تصريح خاص لـبلو نيوز: “التحكم في مطار دولي من قبل أطراف غير حكومية أو ذات طابع أيديولوجي مسلح، مثلما يحدث في بورتسودان، يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، ويبرر تمامًا قرارات الإغلاق الجوي.”، ويضيف: “وجود عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في المطار يعني أن المجال الجوي السوداني أصبح قابلًا للاختراق من قبل أجندات خارجية معادية للمصالح الإقليمية والدولية.”

رؤية عسكرية بريطانية: “نقطة تماس خطرة

من جهته، يؤكد الجنرال المتقاعد ريتشارد هيوز، خبير العمليات الجوية السابق في الجيش البريطاني، أن “مطار بورتسودان لم يعد بيئة تشغيل آمنة للطيران المدني، بل أصبح أقرب إلى نقطة تماس عسكرية، ومن المستحيل الوثوق بإجراءاته الأمنية أو سلامة الرحلات القادمة منه.”

ويضيف: “المخاوف لا تتعلق فقط بطرفي النزاع في السودان، بل بانخراط فاعلين غير سودانيين في الميدان، مما يرفع من احتمالات حدوث عمليات إرهابية أو استهدافات عرضية.”

كارثة في معايير السلامة والأمان

أحد أبرز أسباب القرار الإماراتي بحسب التحليل هو الانهيار الكامل في منظومة السلامة داخل المطار: توثيق ميداني لوقائع سرقة، ابتزاز، وتحرش من قبل عناصر أمنية بحق المسافرين، وممارسة “التمييز العرقي” في المعاملة، فيما يشبه نظام “التفتيش بالوجه”، ومن أبرز الحوادث، ما جرى في أكتوبر 2023، حين أجرت قوات مصرية تفتيشًا ميدانيًا على المدرج نفسه، بعد تجاوز الركاب للبوابات الرسمية.

تقول الصحفية عزة عيرة التي غطّت الحادثة حينها: “ما يجري في مطار بورتسودان لا يُعقل، الركاب يعاملون كخطر محتمل، لا كمسافرين، ولا وجود لأبسط معايير الأمان.”

المطار جزء من شبكة تهريب المخدرات والسلاح

تؤكد مصادر محلية أن مطارات السودان وعلى رأسها بورتسودان باتت جزءًا من شبكة تهريب دولية، تستخدمها عناصر داخل منظومة الجيش والمخابرات، وتذكر أسماء مثل ميرغني إدريس، مدير منظومة الصناعات الدفاعية، كأحد المتورطين الرئيسيين في تهريب السلاح والمخدرات، وفقًا لوثائق وتحقيقات جنائية قُدّمت للنيابات.

تحذيرات دولية متصاعدة

الإمارات ليست وحدها التي أعربت عن مخاوفها. أربع دول كبرى أصدرت تحذيرات صريحة: الولايات المتحدة (تحذير مستوى 4): “لا تسافر  الوضع خطير والمطار غير آمن.”، والمملكة المتحدة: “المطار عرضة لهجمات وقد يُغلق فجأة.”، كندا: “الخروج ممكن لكنه محفوف بالخطر.”، بالإضافة الى أستراليا: “المطار لا يُعتمد عليه أمنيًا ومعرض لهجمات.”

كما يشير مراقبون مستقلون إلى أن السكوت عن استمرار هذا الوضع سيحوّل المطار إلى نقطة تصعيد إقليمي خطيرة، بل وربما إلى “منصة تهديد” تطال دول الجوار والخليج ومصالح الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

الإعلام المضلل وتزييف الوعي

بحسب الأستاذ مجاهد بشرى، فإن أخطر ما يرافق هذا الانهيار هو دور الإعلام الموالي للفلول، الذي يواصل التعتيم على الحقائق، وترويج سرديات فارغة، تصور القرار الإماراتي على أنه استهداف للسودانيين، في حين أن: مئات الآلاف من السودانيين يعيشون في الإمارات ويتمتعون بمعاملة محترمة وإنسانية، كما ان القرار يخص أمن دولة تجاه منشأة تشكل تهديدًا، وليس موقفًا سياسيًا من الشعب السوداني.

إن القرار الإماراتي لا يُقرأ كخطوة منعزلة، بل كجزء من صورة سوداء أوسع، تعكس خطورة استمرار الحرب، وانهيار مؤسسات الدولة لصالح سلطة الأمر الواقع في بورتسودان سلطة بلا شرعية، ترتبط بتحالفات خارجية، وتُدار بعقلية ميليشياوية.

والأستاذ مجاهد بشرى يؤكد في تحليله، انه  “من الطبيعي، بل من الضروري، أن ترفض أي دولة مسؤولة استقبال رحلات قادمة من هذا الجحيم. الأهم هو ألا تأخذ معلوماتك ممن يعيشون على استمرار الحرب… فهؤلاء لا مصلحة لهم في سلام يعيد للسودانيين كرامتهم وينهي سلطة الكيزان والعسكر إلى غير رجعة.”

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com