منال علي محمود: الاطاري سبب الحرب مقطوع الطاري!!

225
منال على محمود

منال علي محمود
[email protected]

الاتفاق الاطاري مع بنوده المتميزة والكاملة فشل قبل أن يولد. السبب هو عدم الشفافية وتجاهل البند السابع تماما الذي نص على مشاركة الشعب في اتخاذ القرار. لم يُخاطب به الشعب السوداني ولم تُوضح تفاصيله. صارت كل البنود مجرد حبر على ورق بلا سند شعبي. وهكذا اعطيت الكيزان الفرصة ليحولوا الاتفاق الى مطية حرب. يسوقونه كأنه ضد الدين والاسرة بينما الحقيقة ان كل ما فيه يحد من تمكينهم ويفتح الباب للسلطة المدنية.

الكيزان لم يُفوّتوا الفرصة. جلسوا في افطارات رمضان يلوّحون بالدين والاسرة كأن ثلاثين عاما من الفساد والنهب كانت مشروعا دعويا صالحا. فجأة صار الاتفاق خطر على القيم وصاروا يوزعون خطابات التخويف. الاتفاق الاطاري ضد الدين وضد الاسرة. مشروع غربي مسموم بينما الافطار اصبح ساحة سياسية يوزع فيها الكيزان الشعارات ويستعرضون حمايتهم للقيم.

لكن الحقيقة ان المتضرر الاكبر من الاتفاق الاطاري هم الكيزان انفسهم. البنود الثمانية وان كانت ممتازة جدا كانت تهدف الى:

1 السلطة المدنية الانتقالية. تأسيس حكومة مدنية ومجلس تشريعي انتقالي مع تقييد الدور السياسي للجيش. رفض الكيزان هذا البند لانه يحد من سلطتهم المباشرة على الحكم ويكسر نفوذهم التاريخي في السياسة.

2 الاصلاح الامني والعسكري. فصل الجيش عن السياسة والاعمال التجارية ودمج الحركات المسلحة ضمن قوات موحدة. رفضوه لانه يقلل من قدرتهم على استخدام المؤسسة العسكرية لتحقيق مصالحهم ويفشل خططهم في التسلل عبر نفوذهم في بعض الاجنحة.

3 السلام. استكمال اتفاق جوبا ومعالجة الثغرات وبدء مفاوضات جديدة مع الحركات غير الموقعة. رفض الكيزان هذا البند لانه يضع قيودا على استغلال الصراعات المسلحة لتوسيع نفوذهم او لابتزاز السلطة المدنية.

4 العدالة الانتقالية. فتح ملفات الانتهاكات منذ 1989 وضمان عدم الافلات من العقاب. رفضوه لانه يهدد مصالحهم الشخصية ويكشف جرائمهم السابقة امام المجتمع والدول مما يقلل من قدرتهم على المناورة.

5 الاصلاح القانوني والقضائي. استقلال القضاء ومكافحة الفساد. رفض الكيزان هذا البند لانه يتعارض مع فقه التحلل والسترة الذي ابتدعوه اثناء حكمهم ويهدد الاسس القانونية والفتاوى التي اعتمدوا عليها لتبرير تصرفاتهم وممارساتهم السابقة.

6 تهيئة الانتخابات. اعداد المناخ للانتخابات الحرة والنزيهة بنهاية الفترة الانتقالية. رفضوه لانه سيحرمهم من السيطرة على الانتخابات كما اعتادوا خصوصا بعد تصويرهم وهم يسعون لتعبئة صناديق الاقتراع لصالحهم ويمنعهم من اكتساح الفوز.

7 الشفافية ومشاركة الشعب. هذا البند تم تجاهله تماما. ما ترك ثغرة كبيرة استغلها الكيزان ليفتعلوا الفتن داخل المؤسسة العسكرية اولا ليس فقط للضغط عليها بل لتسهيل وصولهم للسلطة عبر احد اجنحتها قبل ان يضغطوا على الجيش للانسحاب من كل ما وقعوا عليه.

8 المراقبة والمساءلة. انشاء آليات رقابية لضمان تنفيذ الاتفاق ومحاسبة المخالفين بما يشمل تبعية كل الشركات العامة لوزارة المالية. رفض الكيزان هذا البند لانه سيؤثر مباشرة على ادارتهم للشركات العامة ويحد من مكاسبهم المالية لكنه لم يُنفذ حتى الان.

هنا يظهر بوضوح ان الاتفاق لم يكن ضد الدين او الاسرة. بل كان يحد من التمكين الفاسد للكيزان. لذلك اصبح الاطاري شماعة الحرب. اداة لتفكيك المؤسسة واشعال الانقسامات. اهام العالم ان الكيزان حماة القيم بينما هم يحافظون فقط على مصالحهم الخاصة.

الاطاري الذي سرّع الانقسامات واشعل الدماء بين القبائل. لكنه لم يفت الوقت بعد. يمكن ان نجمع المؤسسة العسكرية على كلمة واحدة لمواجهة التحديات الحدودية ووقف نزيف الدم واستعادة الوطن من براثن الفتن.

وتتوالى الحكومات ويبقى الوطن السودان مختلف بتنوعه وذاق مرارات ثلاثين عاما ونيف من حكم الانقاذ. لذلك اي حكومة لا تنتهج مبدأ الشفافية مع الشعب ستفشل حتما. لأنها لا تتفقد قاعدتها الشعبية ولا تشاور الشعب ولا تكاشفه كصاحب الجلد والرأس في امره. الشفافية والمشاركة ليست رفاهية بل ضمان بقاء الوطن فوق اي سلطة او حاكم.

ختاماً الاطاري لم يكن سبب الحرب ولم يكن مشروعاً ضد الدين او الأسرة. بل كان محاولة حقيقية للحد من الفساد والتمكين الشخصي للكيزان ولفتح الباب للسلطة المدنية والمساءلة الحقيقية. الاتفاق لم يُنفذ أصلاً لأن الحرب قامت قبل أن يجد فرصة للتفعيل خصوصاً مع البند الذي كان سيؤسس مفوضية لتفكيك حكم الإنقاذ. كل هذا كشف الوجه الحقيقي لمن يحاولون تحويل كل إصلاح إلى شماعة للفساد.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com