منال علي محمود: السودان بين إدارة الأزمة وتغييب الحلول!!

152
منال على محمود

منال علي محمود 

[email protected]

المقدمة

تمت كتابة مقال في Africa Confidential بعنوان Washington revives peace push after year of stalemate بتاريخ 29 أغسطس 2025. وقد أبرز المقال ثلاث نقاط رئيسية:

1. الخلاف بين مصر الداعمة للجيش والإمارات الداعمة للدعم السريع أدى إلى تعطيل جهود التسوية.

2. عودة الإسلامويين بقيادة صلاح قوش للواجهة عبر دعم إريتري مما أعاد خلط الأوراق.

3. الوضع الإنساني الكارثي في دارفور وكردفان مع استمرار تهريب الذهب عبر دبي كأحد مصادر تمويل الحرب.

 

تحليلي

المقال يكشف بوضوح أن المجتمع الدولي لا يسعى لحل الأزمة السودانية بجدية، وإنما يكتفي بإدارتها بطريقة تضمن استمرار نفوذ القوى الخارجية ومنع أي طرف من الحسم العسكري. هذا ليس صدفة بل سياسة مقصودة.

كل قوة إقليمية لديها حساباتها الخاصة: مصر تتمسك بالجيش لأنه الضامن لمصالحها الأمنية، الإمارات تراهن على الدعم السريع المرتبط باقتصاد الذهب، السعودية تمول الجيش ولكن بدون مواجهة مباشرة، وقطر تحاول كسب موقعها عبر دور الوسيط. كل هذه الأطراف في النهاية لا تعمل على وقف الحرب، وإنما على موازنة النفوذ فيما بينها.

عودة الإسلامويين بقيادة صلاح قوش إلى الساحة تعكس حالة التشرذم والانقسام داخل الأيدولوجيا الإسلامية، حيث يتم تدوير الرموز ذاتها وفق ميزان القوة واللحظة السياسية. الإسلامويون يشكلون عمقاً وعائقاً تنظيمياً للجيش، أما الدعم السريع فلم يكونوا شماعة بل بقدر ما كانوا الفتنة التي مزقت المؤسسة العسكرية رغم اجتهاد القوى المدنية في احتوائها حتى بعد اشتعال الحرب فقد أفقد المؤسسة العسكرية تماسكها الطبيعي فكان أول الانشقاق.

الوضع الداخلي يعاني من تغييب شبه كامل للقوى المدنية. لجان المقاومة التي فجرت الثورة تم تهميشها، والأحزاب التقليدية ضعفت بسبب الانقسامات. أي تسوية حقيقية يجب أن تضع القوى المدنية في مركزها، لا في الهامش، وإلا ستظل أسباب الحرب قائمة.

القوى المدنية في الداخل تعاني من الضعف بفعل القبضة الأمنية المفروضة من الجيش والإسلامويين، أما في الخارج فيُلوَّح للناشطين والمعارضين بنزع الجنسية أو عدم تجديد الجواز، وتهديدهم بمصير سيئ حال عودتهم إلى السودان. هذه الممارسات تعكس خللاً في مهنية المؤسسة العسكرية، التي عادة لا تحتك مباشرة بالمواطنين. ومع ذلك، لا يزال أمام الجيش فرصة لاسترداد زمام الأمور إذا اختار الانفكاك عن هذه الأساليب والعودة لدوره الطبيعي كضامن لأمن الوطن.

الجانب الإقليمي يعكس استغلال الحرب لصالح مصالح الجيران: إثيوبيا تتحرك بحرية في ملف سد النهضة، تشاد تتحمل تداعيات اللاجئين والسلاح من دارفور، وإريتريا توظف الإسلامويين لصالح نفوذها في الشرق. هذه التصرفات ليست منفردة بل تعكس تلاقي مصالح إقليمية على إبقاء السودان ضعيفاً ومنشغلاً داخلياً.

الجانب الاقتصادي هو أخطر ما في الوضع؛ الذهب المهرب إلى دبي أصبح شريان الحرب الحقيقي، والمساعدات الإنسانية تحولت إلى أداة ضغط سياسي أكثر من كونها وسيلة إنقاذ. الوضع الإنساني في دارفور وكردفان كارثة بكل المقاييس، الناس يموتون جوعاً ومرضا بينما المجتمع الدولي يتعامل مع الأمر كأداة تفاوض. فتح أو إغلاق الممرات الإنسانية صار ورقة مساومة بدل أن يكون عملاً إنسانياً.

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الحرب في شكل “فوضى منضبطة” تخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية، مع خطر حقيقي لتفكك الدولة وتصاعد النزعات الجهوية. وحتى إذا جاءت تسوية ما، غالباً ستكون على حساب القوى المدنية، بينما يُعاد تدوير الجيش والإسلامويين والدعم السريع في السلطة من جديد.

الخلاصة

المجتمع الدولي لا يبحث عن حل حقيقي للأزمة السودانية بل يكتفي بإدارتها. القوى الإقليمية تستثمر في الخلاف بين الجيش والدعم السريع، الإسلامويون يتم استخدامهم كوقود للحرب، القوى المدنية مغيبة، والاقتصاد الحربي مستمر.

لكن كل ذلك لن ينكسر ما لم يقرر طرفا النزاع نفسيهما تغيير المعادلة. إيجاد آلية عمل تنظم كل الأحزاب والقوى المدنية، وتضع إطاراً قانونياً لمراقبة المليشيات المسلحة، يظل ضرورة عاجلة لإنهاء الانقسام وضمان الاستقرار. سنتناول تفاصيل هذه الآلية في مقال قادم.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com