منال علي محمود: انفصال الجنوب .. الصفقة التي لم يستلم مقابلها الكيزان سوى كرسي الحكم!!
منال علي محمود
انفصال الجنوب كان أكبر صفقة سياسية في تاريخ السودان الحديث، صفقة لم يحصد الكيزان منها سوى الاستمرار في الحكم. لم تكن وحدة السودان هي القضية بالنسبة لهم، بل كانت السلطة هي الهدف والغاية. ولهذا لم يترددوا في تقديم الجنوب كقربان، مثلما فعلوا من قبل وسيواصلون فعله مع أي جزء من الوطن يهدد بقاءهم.
قبل الانفصال كان الميناء منفذا لكل السودان، شماله وجنوبه، ومع ذلك لم يفاوض الكيزان على أي حصة للجنوب فيه. رضوا الجنوبيون بخروج بلا منفذ بحري، ورضي الكيزان بخسارة ثلث البلاد مقابل ضمان استمرارهم على الكراسي. لم يكن همهم أن تكون للدولة الجديدة مقومات بقاء، بل كان همهم أن يبقى نظامهم ولو على جثة الوطن.
الاسلامويون صنعوا الانفصال مثلما يصنعون كل كارثة، عبر التمهيد الاعلامي. ملأوا الأثير بالدعاية السوداء، وصوروا الجنوب عبئا على الشمال، وصوروا الوحدة سجنا للشعب، حتى أصبح الانفصال في نظر كثيرين (خلاصا). وهذه هي طريقتهم الثابتة، صناعة زخم سلبي ضد من يريدون التنكيل به، حتى يصبح التخلص منه مطلبا شعبيا.
اليوم يعيدون نفس الأسلوب في الحرب الدائرة. يتعنتون في رفض أي سلام، لأن السلام يعني تحقيقا شفافا يكشف من أشعل الحرب، ومن جلب الأسلحة المحرمة، ومن ارتكب الجرائم ضد المدنيين. لذلك يفضلون استمرار الدم على أن يجلسوا إلى طاولة سلام حقيقية.
في سبيل بقائهم لا يمانعون في نسج تحالفات مشبوهة. شقيق الدكتور خليل ابراهيم، الذي حمل السلاح في وجههم، صار شريكا سياسيا لهم. والحركات المسلحة التي نشأت لتحارب هذا النظام، انتهى بها الحال على موائدهم. المفارقة أن النظام الذي يسب اليهود في العلن، لم يتردد في لقاء نتنياهو سرا. هذه هي براعتهم، التناقض الدائم، والوجه المزدوج، والصفقات تحت الطاولة.
دارفور لم تنفصل كدولة، لكنها خضعت لفصل اداري مقصود. أقاليمها لم تشملها عملية ابدال العملة، ولا تغطي شبكات الاتصال سماءها، وكأنها خارج خريطة الدولة. يقاتلون حول محور طريق الصادرات، بينما الفاشر تحتضر. لم يحتج الكيزان لاعلان الانفصال هنا، فقد صنعوه بالفعل، دارفور قطعت عن المركز بالدمار والتهميش، وصارت سجنا واسعا تحكمه البنادق لا الدستور.
انفصال الجنوب لم يكن نهاية اللعبة. من هندس صفقة نيفاشا دون مساءلة، يستطيع أن يكررها غدا في الشرق أو الغرب أو حتى الوسط. نفس الأسباب سترفع، التهميش، الاقصاء، وادعاء حق تقرير المصير، والنتائج المتوقعة نفسها، مزيد من التقطيع مقابل بقاء النظام. كل ذلك يستند على جهلنا كأمة، وعلى ضعف إلمامنا بقوة صوت الشعب الواعي بحقوقه وواجباته الدستورية. ذلك الدستور غير التوافقي والمعطل كان وما يزال مظلة واسعة، تبلع داخلها كل التجاوزات، ويعطل تحتها أي مساءلة حقيقية.
الشرق اليوم مهدد بسيناريو معد بعناية، لا يختلف كثيرا عن وصفات الانهيار في الجوار. في الوثائق والبيانات تطل عبارات مثل (شتات التقراي)، وكأنهم يكتبون سيناريو جاهز للتفتيت، يبدأ بتفكيك النسيج الاجتماعي، وافتعال النزاعات، ثم رفع شعار التهميش كذريعة للفصل. إنها نفس الوصفة القديمة التي بيعت في الجنوب، وتمارس عمليا في دارفور، وتنتظر دورها في الشرق.
التقطيع كان ولا يزال منهجهم. الجنوب قطع بالانفصال، دارفور قطعت بالفصل الاداري، والشرق مهدد غدا بنفس المصير. كل جزء من السودان يتحول عندهم إلى (عملة) يساومون بها المجتمع الدولي، أو (قربان) يقدمونه من أجل تمديد عمرهم السياسي. لا عزاء للجزء المفصول، ولا عبرة للجزء الباقي، فالمعادلة واضحة، بقاء الكيزان يعني موت الوحدة.
وحدة السودان لم تكن تعني شيئا لهم سوى نهايتهم. لو ظل السودان واحدا لانهارت دعايتهم عن المشروع الحضاري، ولسقطت أقنعتهم التي صنعوها لتقسيم المجتمع. فالوحدة تعني المساءلة، تعني كشف ثلاثين عاما من الكذب والتمكين، تعني سقوطا لا رجعة فيه. لذلك سعوا إلى الانفصال، وسيسعون غدا إلى تمزيق ما تبقى.
الدرس الذي يجب ألا ينسى هو أن كل قطعة من السودان تقطع، ليست قدرا، بل قرار سياسي مقصود. وأن استعادة السودان تبدأ من فهم أن الوحدة ليست شعارا رومانسيا، بل شرطا اساسيا للخلاص من الكيزان. فعندما يكون السودان واحدا، لن يكون لهم مكان.
(وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)
