منال علي محمود: بين الكوشة والتكية: كامل إدريس في هذه الألفية

172
منال على محمود

منال علي محمود

[email protected]

 

الخبرة في مواجهة الواقع السوداني

في زمن يُفترض فيه أن يُبنى العمل على خبرات الآخرين، نجد في السودان قصة مختلفة تمامًا. الخبرة والشهادات العليا لا تمنع الفرد من الوقوع في فخ بيئة عاجزة عن التطوير. المشكلة ليست في خبرة كامل إدريس أو شهاداته، بل في عقلية إدارة البلد التي بقيت عالقة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، عقلية تحاصر الإنجاز، تعرقل الأفكار، وتحول المبدع إلى أداة رمزية بلا قيمة فعلية.

الكوش والجاروف: أداء أم عرض؟

كامل إدريس، الرجل الذي جاب العالم، وجد نفسه واقفًا بين القاذورات، جاروف في يده، وكأنه أتى ليعيد اختراع العمل من نقطة الصفر. الوسط هنا يبتلع كل محاولة جادة ويحوّلها إلى عرض شكلي فارغ.

التكية، جهد شعبي بحت، تحاصر الدولة حضوره وتحولها إلى استعراض، وكأن الإنجاز ملكها، بينما الواقع يقول العكس. لو كنت مكانه، لما اكتفيت بالوقوف والتصوير، بل كنت سأجعل الناس يرون نظافة الشوارع بأعينهم، وأنشئ تكية حقيقية بدعم رسمي واضح.

رمزية على حساب الواقع

نظافة الكوش كانت من المفترض أن تكون عملًا تنفيذيًا بحتًا، لكن كامل إدريس يسابق الزمن قبل العقد التاسع لحملة انتخابية، مستغلاً كل صورة مع الجاروف للترويج لنشاطه. العمل تحول إلى تموضع رمزي ومجاراة للمعايير الشكلية.

ولم يكتفِ بذلك، بل زار وزير الثروة الحيوانية نفس الكوشة، أي شيطان يقيم فيها رافضًا الخروج إلا بعد عقد اجتماع وزاري على أكوامها.

المقارنة والواقع الإعلامي

أي مراقب يرى أحد زملاء كامل إدريس في بيئة مشابهة، يحقق نتائج ملموسة بذكاء. الفرق صارخ: الخبرة في مكان يُقدّر العمل تثمر، أما في السودان، كل خطوة جادة تتحول إلى عرض شكلي يستهلك في التصوير فقط.

الصحافة اختارت الانشغال بخلافات فردية بين منسوبي الدعم السريع، وكأنها القضية الوطنية الأهم. هذا هو جوهر سياسة الإلهاء بالقضايا الفردية، التي تحاصر اهتمام الشعب عن الملفات الحقيقية.

ماذا يحتاج السودان من رئيس وزراء؟

ما يحتاجه السودان ليس مجرد رمزية أو تصوير مع الجاروف، بل رئيس وزراء قادر على الفعل الفعلي، على إدارة الملفات الكبرى، وتنفيذ السياسات دون تحويلها إلى مشاهد إعلامية فارغة. يحتاج الشعب إلى من يفعل، لا من يروج، من يحقق نتائج ملموسة على الأرض، وليس من يختصر عمله في كلمات رككة أو محاولات لغوية غريبة، بحيث تُفاجئ الحاضرين ولا يجدون لها وصفًا سوى أن يقولوا “الله جعلا”، تعبير غرب سوداني صادق عن الفاجعة والدهشة.

ولا عجب في الأداء اللغوي الركيك، فقد صنع وزير إعلام هذه الحكومة تمثالاً ورجمه وهو يكبر، فإذا عمت البلوي، هانت. هذا المشهد يختصر مستوى وأداء الوزراء أمام تحديات المرحلة، حيث الرمزية تصير بديلاً عن الإنجاز الفعلي، والعرض الإعلامي يسبق العمل الواقعي.

الخاتمة

الأداء لا يُقاس بالصور أو الرموز، بل بما يعيشه الناس يوميًا: شوارع نظيفة، خدمات حقيقية، مؤسسات تعمل بلا تهريج. في السودان، الخبرة تتحول إلى عرض شكلي، والقدرات تتبخر أمام منطقٍ يحكمه الفشل المتكرر منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com