منال علي محمود: ترسين ماتت يوم ولدت!!

185
منال على محمود

منال علي محمود
[email protected]
*ترسين* .. القرية التي لم نسمع بها إلا يوم موتها

لأول مرة في حياتي أسمع عن قرية تُدعى ترسين، ولأول مرة أرى كيف تُزرع سهول الجبال كما في الصين، بينما أعرف عن الصين أكثر مما أعرف عن تضاريس وجبال مرة وترسين. أعرف عن تسلق جبال الهملايا، فقد كان منهج التاريخ ثرياً بما يكفي ليخلق منا شعباً مثقفاً جاهلاً بوطنه.
وأنا على يقين أن في السودان ألف “ترسين”، لكن نظاماً واحداً جعلنا لا نراها.

كارثة انزلاق ترسين، التي ابتلعت أكثر من ألف نفس، كان يفترض أن تستلزم أقصى درجات الاستنفار الرسمي والشعبي. لكن الحكومة تجاهلتها تماماً، كما لو أن الموت هناك شأنٌ محلي. لم تُنْعِ الدولة شهداءها، ولم يخرج رئيس وزرائها ببيان تعزية كما فعل مع المصريين، وكأن العزاء واجب على البعيدين، أما الأقربين فليسوا أهلاً حتى لكلمة مواساة.

مثل قرى ترسين، بمن تستغيث؟ بمن ترفع صوتها، وهي لا تعرف طريق مدرسة ولا مشفى ولا حتى سيارة مرّت من قبل؟ هل سيكون الغذاء والدواء انتقائياً كما كان التعامل مع أوجاعهم؟ أم تركيعياً ليُغاثوا بشروط وابتزاز، وكأن الحياة هبة لا حق؟

في جبال مرة، وهي سلسلة من 99 جبلاً أشهرها جبل مرة نفسه، تنبت الفراولة والتفاح والتين، ومعها نباتات نادرة مثل الصنوبر والمورينقا، إلى جانب أعشاب طبية لا توجد إلا هناك. وفيها شلالات وينابيع لا تنضب، وخيرات كان يمكن أن تجعلها قبلة للسياحة البيئية والدينية والعلاجية في إفريقيا كلها. ماتت ترسين وتحول الجبل من منبع حياة إلى مأساة جماعية.

نزلت طائرات إغاثة للمنكوبين قبل يومين فقط، فهل ستضل طريقها نحو مافيا (السوق الموازي) للغذاء والدواء أم ستتلف بالأمطار نتيجة سوء التخزين؟

وهنا تتضح المفارقه في إدارة الدولة، في الولايات المتحدة، جعلت حكومة عرفت قيمة التنوع من مدينة مثل أسبن – كولورادو أيقونة عالمية للسياحة والرياضات الشتوية، فصارت مصدراً للدخل والسمعة والاعتزاز الوطني. أما عندنا، فقد تُركت ترسين لقدرها، وترك جبل مرة بكل جماله وخيراته ليكون شاهداً على إهمال عنصريٍ ممنهج.

لقد سمعنا عن ترسين يوم موتها فقط. وكأن الوطن لا يعترف بوجودك إلا الا عندما تدفن تحت الأنقاض. أليس هذا هو المعنى الحقيقي لانعدام الوطنية وإفلاس الدولة؟

هذه الكارثة هي اختبار حقيقي للوقوف على مسافة واحدة من آلام كل الأقاليم، لا اختيارية ولا انتقائية، بل مساواة في التعاطف والمسؤولية تجاه كل المواطنين، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو اللون أو الأصل.

والأدهى من ذلك أن كثيرين لم ينظروا إلى الموت هناك بقدر ما نظّروا وتندروا على عدد الضحايا، وكأنها مباراة على الهاتف، وهو أكبر دليل على فقدان الحس الوطني وفقدان الرحمة تجاه أبناء الوطن.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com