منال علي محمود: دارفور لم تعلق طربوشا أحمر على بابها

131
منال على محمود

منال علي محمود

[email protected]

 

ما يحدث اليوم من عبث الحرب، ومن انحدار أخلاقي في الخطاب، يتجاوز حدود المعركة إلى حدود الكرامة بذاتها.

تُستباح الأعراض وتُهان المناطق بألفاظ عنصرية (عن قصد)، فتتحول القضية من صراع سياسي أو عسكري إلى سقوط أخلاقي لا يختلف عن حروب الجاهلية الأولى، داحس والغبراء والبسوس.

ستنتهي هذه الحرب كما انتهت تلك، لكن الإهانة ستبقى، ثأرًا مؤجلًا في صدور من لا ينسون.

في الأيام الماضية، بثّ أحد النشطاء على منصة تيك توك حديثًا مع مقيم خارج السودان، تناول فيه والدة ناشط يُدعى مستر ردم بطريقة فاجرة تمس كل قيم الدين والرجولة. وما قيل لا يسيء لامرأة واحدة، بل لكل أم من دارفور، لكل أرض رفضت أن تُستباح.

من يردد لفظ أولاد الضيف لا يطعن في أشخاص بعينهم، بل يطعن في تاريخ كامل (مع سبق الاصرار والترصد). في أرض كانت يومًا تُرسل كسوة الكعبة المشرفة من حر مالها، بينما كان غيرها يتلقى العون ولا يعطيه. دارفور التي كانت يدها العليا في الكرم والدين والعطاء، كيف تُوصف اليوم بأن أهلها ضيوف؟ ومن أي منطق يأتي هذا الانقلاب في القيم حتى تُصبح اليد التي كانت تُكسي بيت الله سفلى تتلقى الإهانة من ألسنة ما عرفت طهارة القول ولا شرف الأصل؟

دارفور لم تعلق طربوشًا أحمر على أي باب من أبوابها. لم تعرف بيتًا يُستباح باسم الضيافة، ولم تُفتح أبوابها إلا للكرم وللجوار الكريم. فكيف يُهان من لم يُعرف عنه سوى الشرف والعطاء؟ وكيف تصبح يد كساة الكعبة هي اليد السفلى، تتلقى المِنّة ممن لا يملكون إلا الجهل والغلّ؟

ما هذا الدور؟ وما هذه الإهانة؟ هل يقبلها أحد على أهله؟ ألا يعلم من يشعل هذه النيران أن الإسلام جعل للحرب أخلاقًا، وأن من يطعن بغير حق فقد قال الله فيه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}.

لا بد أن يكون القانون هو السيف، لا العاطفة ولا الصمت. وكما يقول المثل الإنجليزي: If you give a mouse a piece of bread, it will come back asking for a cup of milk — من تسامح في الإهانة الأولى، فتح الباب لإهانات لا تنتهي. فالقضية ليست مجرد لفظ مسيء، بل جرح مفتوح إن لم يُداو بالقانون سيتحول إلى نخر في جسد الوطن كله.

إن من يرضى المساس بعرضه ديوس، والدفاع عنه استشهاد. وما كرامة تُشترى بالإهانة، ولا شرف يُحفظ بالسكوت. ولن نستجدي اعترافًا من أحد، بل سنبقى نذكّر أن دارفور كانت، وستظل، بيتًا للكرم لا للضيافة، ويدًا عليا لا تُهان. وسيبقى العار على من استباح الكلمة، قبل أن تُستباح الأرض.

 

الخاتمة القانونية

لا حديث بعد العرض. الحرب، في الإسلام، لها أخلاق قبل أن يكون لها سلاح. من فقد أخلاق الحرب، خسرها قبل أن تبدأ. ومن سمّى القذف بطولة، والسكوت رجولة، فلا وطن له ولا دين.

لابد من قانون فوري يحفظ لكل سوداني مكانته وكرامته، قانون يمنع استعمال الأمهات وطعن شرفهن كأداة حرب عبثية، ويضع عقوبات صارمة لكل من يسيء باسم الوطنية أو الحرب. القانون وحده يقطع الطريق على العبث الأخلاقي ويؤكد أن أي مساس بالشرف لا يُغتفر ولا يُبرر، وأن دارفور وأهلها لهم الحق الكامل في حماية كرامتهم وسمعتهم مهما كانت الظروف.

ليؤدب القانون من لا أخلاق ولا أم له.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com