منال علي محمود: قانون الوجوه الغريبة ومعابد كهنة الحرب
منال علي محمود
قانون الوجوه الغريبة لم يكن مجرد اجراء اداري عابر، بل صار علامة فارقة في تاريخ التمييز. قانون دفع الناس دفعا الى البحث عن مكان آخر تصان فيه كرامتهم وتحترم فيه انسانيتهم. هو قانون صاغته دولة جعلت من نفسها وصية على المواطن، تحدد من هو الاصيل ومن هو الغريب، فحولت الانتماء الى بطاقة مرور مشروطة.
ومع اندلاع الحرب، لم تعد الكارثة ساحة مواجهة سياسية، بل تحولت الى معابد ترفع فيها رايات العنصرية. يقف على ابوابها كهنة يباركون كل خلاف قبلي، ويحولونه الى طقس جماعي يحتفى به بدلا من احتوائه. عبثية استحقت وصفها، اذ تحولت من دم الى نشيد، ومن كارثة الى شعيرة.
مضايقات يومية كأنها سجون صغيرة
بعد الحرب، تضاعفت المضايقات على اهل دارفور وسكان الهامش، حتى صارت الحياة اليومية نفسها ساحة من سجون صغيرة، كأننا عدنا الى القرون الوسطى حيث يقاس حق الحياة بمرسوم سلطاني:
الفرار من الحرب الى المناطق الامنة لم يكن خلاصا، بل قيدا جديدا؛ اذ يطلب منك كفيل، ليس سعوديا هذه المرة، بل من ذات الجنسية، كأنك لاجئ في وطنك.
تجديد الجواز صار معركة طويلة بالمماطلة والتعطيل.
تبديل العملة لم يشملهم، وكأنهم خارج دورة الاقتصاد الوطني.
امتحانات الشهادة السودانية تحولت الى اداة اقصاء، وكأن النجاح الاكاديمي مرهون بالهوية العرقية او الجغرافية.
تغطية شبكة الهاتف قطعت بانتقائية، ليعزل الناس في مناطق كاملة عن العالم، بينما الآخرون يعيشون في اتصال دائم.
وحتى فتح دكان صغير صار امرا يحتاج الى فرمان بصيغة موافقة امنية، وقبلها موافقة اهل الحي واللجنة الشعبية؛ امتياز يليق بحقبة مظلمة من التاريخ اكثر مما يليق بوطن في الالفية الثالثة.
ومعظم من طبقت عليهم هذه القوانين، وقعت الحرب على رؤوسهم كالطامة. لم يعرفوا حتى من يقاتل من، ولا لماذا اندلعت، فقد سوقت ارهاصاتها على نحو غامض ثم اطلقت كالنار في الهشيم، بينما الجماهير تساق كما يساق القطيع، بين وعود كاذبة وخطابات مشحونة، لا يملكون من امرهم شيئا سوى انتظار الضربة التالية.
مقارنة مريرة
ولم يكن ذلك جديدا على تاريخ طويل من الاقصاء. فأهل المحرقة كانوا لاجئين، على الاقل لم يستهدفوا في اوطانهم الاصلية. اما نحن فقد دنت بنا الحرب الى مرحلتهم او اسوأ، اذ صارت البراميل تلقى على الاحياء ويقال انها موجهة ضد (الحواضن). هكذا نزعت الكرامة حتى داخل البيت، وكأننا غرباء في ارضنا.
دستور على الورق
المادة 31 من الدستور الانتقالي لسنة 2005 تنص بوضوح: (الناس سواسية امام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العرق او اللون او الجنس او اللغة او العقيدة الدينية او الرأي السياسي او الاصل الاثني) [1]. لكن التطبيق على الارض افرغ النص من معناه، وحول المواطنة الى امتياز انتقائي.
كذلك المادة 2 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان تقول: (لكل انسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات… دونما تمييز بسبب العنصر، او اللون، او الجنس، او اللغة، او الدين، او الرأي السياسي او اي رأي آخر، او الاصل الوطني او الاجتماعي…) [2]. والمفارقة ان السودان عضو في الامم المتحدة، لكنه جعل من اول التزاماته الدولية ورقا بلا اثر.
حكومة امر واقع
ليس لدينا برلمان منتخب يحاسب او يراجع، بل حكومة امر واقع تصوغ سياساتها بخطاب سلطوي. لم يتورع بعض اعضائها عن اطلاق اقوال عنصرية على الملأ: عن ابناء الهامش كغرباء، وعن (المتمردين) كأنهم اجناس اخرى. والدولة لم ترفض او توقف هذه النعرة، بل سمحت لها ان تصير جزءا من المشهد الرسمي.
العدالة ليست تبديل موظفين
اقالة النائب العام لن تغسل هذه الجرائم. فالمسألة ليست في تغيير الاشخاص بل في تفكيك المنظومة التي صنعت التمييز. العدالة لا تتحقق بازاحة موظف، بل بتفكيك الاساس الذي جعل القانون نفسه اداة قمع.
وطن باق رغم كل شيء
هذه البلاد، بتنوعها القبلي والثقافي والديني، تملك ثروة لا تقدر بثمن. لكننا ما زلنا نفتقر الى مواطن – قبل المسؤول – يعرف قيمة هذا التنوع ويرتقي به. مواطن يرى في التعدد فرصة للبناء، لا منصة للاقصاء والصراع.
فما أحوجنا اليوم إلى امام يصلي بنا (حي على الوحدة)، لا كاهن يقدس الانقسام ويذكي نيران العصبية. امام يجمع القلوب كما يجمع الصفوف في الصلاة، لا كهنة يوزعون الفُرقة كما توزع القرابين على مذابح الحرب.
وما بين ذلك، سيبقى الاصل ان كل اجزائه لنا وطن. تتعاقب الحكومات وتذهب الانظمة، لكن الوطن باق، سليما معافى، قادرا على ان يطوي هذه الصفحة السوداء من تاريخه، ويكتب سطرا جديدا يليق بكرامة انسانه وتنوع ارضه.
[1] الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2005، المادة 31.
[2] الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948، المادة 2.
