منال علي محمود: مظلومية الزلنطحي عسكوري .. تفكيك الخطاب وبلاغ للنائب العام
في خضم حرب لم يشهد السودان لها مثيلاً في تاريخه الحديث، يخرج علينا السيد عسكوري بمقال يحاول فيه تحويل الصراع الوطني إلى معركة وهمية بين الشمال النيلي وبقية أجزاء الوطن، وبالأخص دارفور. لا يكتب بوصفه محللاً، بل كناطق رسمي باسم مركز السلطة التاريخي، الذي لطالما امتلك القرار والموارد، ثم تنكّر اليوم لما صنعت يداه، وادّعى أنه الضحية.
أولاً: مركز السلطة يتقمص دور المهمش
عندما يتحدث ممثل المركز عن الظلم، ويطالب بالإنصاف، فإن المأساة تتحوّل إلى مهزلة.
منذ استقلال السودان، كانت الوزارات السيادية، والخدمة المدنية، والمؤسسة العسكرية، والثروة، والنفوذ، كلها بيد الشمال النيلي.
ولم يكن ذلك بالصدفة، بل نتيجة مشروع سياسي مركزي، أطاح بأي محاولة لبناء دولة عادلة، وظلّ يعامل بقية أجزاء السودان كحدائق خلفية للمركز، يؤخذ منها ما يريد، ويترك لها الفتات.
وها هو اليوم، وقد اهتزّت الأرض تحت أقدامه، يحاول استعارة قاموس المظلومية، والتحدث بلغة الفقراء، متناسياً أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لمنهج احتكاري ظالم طالما دافع عنه وخدمه.
ثانياً: وزارة المالية ليست غريبة على المركز.. بل من صميمه
يحاول الكاتب تصوير وزارة المالية وكأنها كيان غريب، منفصل عن إرادة سكان نهر النيل والشمالية.
والحقيقة أن المالية لم تفاجئ أحداً بسياستها. هي امتداد طبيعي لدولة ظلت تتحكم في موارد السودان لمصلحة نخبة ضيقة، وتتجاهل بقية الأقاليم، وتقر القوانين التي تضمن استمرار تمركز السلطة والثروة.
فكيف لمن شارك في صناعة هذه الدولة، وكان جزءاً من هياكلها، أن يشكو من نتائجها الآن؟
أي دعوة (لرد المظالم) من المركز لأهله، دون أي اعتراف بحقوق بقية أجزاء البلاد، ليست سوى محاولة لإعادة تدوير الامتيازات تحت لافتة (العدالة).
ثالثاً: الحرب لم تبدأ عندما شعر بالضيق في نهر النيل
المقال يريد أن يوهم القارئ أن لحظة الانفجار الوطني بدأت عندما ضاق الحال بأبناء الشمال النيلي.
يتجاهل متعمداً أن الحرب بدأت في جبال النوبة، وفي النيل الأزرق، وفي دارفور، منذ أكثر من عقدين، عندما لم يكن أحد من أبناء المركز يعاني نقصاً في الكهرباء أو الماء أو المستشفيات.
يتجاهل أن أصوات الذين صرخوا من التهميش، لم تكن تجد صدىً إلا في زنازين الأمن أو مقابر جماعية.
فهل يبدأ الظلم فقط عندما يطرق باب المركز؟
وهل يصبح الوطن في خطر فقط عندما يشعر المركز بعدم الارتياح؟
إن هذه المعايير المنحازة هي جوهر خطاب الهيمنة الذي يحاول عسكوري اليوم تسويقه بعبارات (وطنية).
رابعاً: الطرح الانفصالي ليس جديداً.. بل قديم بثوب جديد
عندما يتحدث كاتب من المركز عن (ثلاث مجموعات) تدعو إما للانفصال، أو الهيمنة على الموارد، أو الانضمام لدولة أخرى، فإنه لا يعرض واقعاً بل يهدد:
(إما أن تستمر الهيمنة، أو نفكك الدولة).
وهذا منطق ابتزاز سياسي رخيص، لا يختلف عن المنطق الذي كان يسوقه المركز منذ فجر الاستقلال:
إما السيطرة، أو الفوضى.
هذا المنطق هو الذي أوصل السودان إلى الانفصال، وإلى الحروب الأهلية، وإلى حالة الانهيار الكامل.
ولا يمكن اليوم أن يطرح كتحذير صادق، بل هو امتداد للنهج القديم، مع فرق وحيد:
أن الهامش لم يعد صامتاً.
خامساً: ثلاث مجموعات… وجه واحد للابتزاز السياسي
المقال يسوّق لثلاث مجموعات على أنها (تيارات شعبية) داخل الشمال النيلي، لكن الحقيقة أن هذه المجموعات الثلاث ليست سوى وجوه متعددة لخطاب واحد: التهديد بتفكيك الدولة ما لم تستمر الامتيازات.
1. مجموعة الانفصال
تطالب بدولة شمالية خالصة. لكن نسأل:
هل تسمح الدساتير السابقة أو الراهنة في السودان بفصل إقليم دون إرادة شعبية قومية؟
لا.
الانفصال يتم باستفتاء، ويخضع لقانون، وتوافق سياسي، لا بمزاج نخبة متضايقة من تراجع سيطرتها.
وإلا صار كل إقليم يهدد بالخروج عندما يخسر امتيازاً، وهذا انهيار لمفهوم الدولة.
2. مجموعة وقف التعدين والسيطرة الكاملة
تريد تجميد التعدين واحتكار العوائد بحجة غياب العدالة.
لكن هذه الدعوة تتجاهل أن الثروات الطبيعية ملك للشعب السوداني وفقاً لأي دستور انتقالي أو دائم صدر منذ الاستقلال، ولا تدار جهوياً.
التنمية حق، والمساءلة واجبة، ولكن لا أحد يملك تعطيل الإنتاج الوطني وابتزاز الدولة تحت غطاء (حقوق الولاية).
ثم أين شركات التعدين الأجنبية؟
أين مسؤوليتها المجتمعية؟
ما الذي قدمته شركة (الجنيد)، و(مناجم المغربية)، و(شركات روسية وصينية وتركية) تعمل في أراضيهم منذ سنوات؟
بل ما الذي فعله استعمال السيانيد في مناطق التعدين الأهلي؟
ما هي نسب التلوث؟
هل تخضع لنظم السلامة البيئية؟
أليس من الأجدى المطالبة بإخضاع هذه الشركات للقانون قبل التهديد بتجميد الدولة؟
إنه منتهى التناقض أن يشتكي كاتب من (النهب المنظم) ثم لا يذكر من ينظم النهب.
3. مجموعة الانضمام لمصر
هذه أخطرها وأسخفها. وهي دعوة لا تخرق القانون فقط، بل تمس السيادة الوطنية.
لا يوجد في أي نص دستوري أو قانوني سوداني ما يجيز (الالتحاق بدولة أخرى) بسبب تدهور الخدمات.
بل إن مثل هذا الطرح يرقى إلى الدعوة لتقويض النظام الدستوري ويقع تحت طائلة جرائم الخيانة العظمى في أي قانون عقوبات في العالم.
فمن لم يرفع صوته عندما كانت حكومات الشمال تبيع سواحل السودان وموانئه، لا يحق له اليوم أن يبيع الأرض كلها بدعوى الضيق المعيشي.
خاتمة: خطاب هش يسوّق الغباء
مقال عسكوري لم يكن صرخة مظلوم، بل ترويج لغباء سياسي مكشوف:
يتباكى على الذهب، وتنسى من يقتله
يلعن الحكومة، ويخدمها
يشتكي من النهب، ويبيح لشركات الأجانب مص الأرض
يطلب الإنصاف، ويتجاهل المذابح في بقية الوطن
إذا كانت ثروات نهر النيل تنهب، فنحن معكم في المطالبة بالتوزيع العادل.
أما استغلال الحرب في دارفور وشيطنة أهلها لتبرير خطاب انفصالي، فهو جريمة في حق الوطن والعقل.
نحن لم نبدأ الحرب.
أنتم من أشعلها، وسنطفئها.
لكننا لن نسلم لكم روايتها.
هذه الأرض ليست ميراثاً لمركز،
ولا غنيمة لجلابي،
ولا ملكاً لأحد دون غيره.
إنها باختصار، أرض شعب قرر أن لا يلدغ مرتين.
هذه الأرض لنا، وعلى كيفنا، ما كيف الرمم.
بلاغ عاجل إلى النائب العام لجمهورية السودان
ضد مروجي دعوات الانفصال والانضمام لدول أخرى
التاريخ: 9 يوليو 2025
المقدمة: منال علي محمود – مواطنة سودانية
الموضوع: بلاغ جنائي بتقويض النظام الدستوري وتهديد السيادة الوطنية
السيد النائب العام المحترم،
نتقدم إليكم بهذا البلاغ العاجل، استناداً إلى المواد المتعلقة بحماية الدولة والدستور في القوانين السودانية، وعلى رأسها قانون العقوبات لسنة 1991 وتعديلاته، وخاصة المواد التي تجرم:
تقويض النظام الدستوري
الدعوة لانتهاك وحدة البلاد
التحريض على الانفصال أو الانضمام لدول أجنبية
لقد تابعنا، بقلق بالغ، ما ورد في مقال بعنوان (الشمال النيلي: مآلات الصراع) للمدعو علي عسكوري، والمنشور بتاريخ 8 يوليو 2025، والذي تضمن بشكل واضح ومباشر الترويج لثلاث مجموعات تدعو إلى:
1. الانفصال عن جمهورية السودان وتكوين دولة شمالية مستقلة
2. تعطيل مؤسسات الدولة ومصادرة سيادتها على الموارد الطبيعية
3. الالتحاق بدولة أجنبية (جمهورية مصر العربية) في سابقة غير مسبوقة من التجرؤ على مفهوم السيادة الوطنية
هذه الدعوات – الموثقة والمعلنة – لا تندرج ضمن حرية التعبير، بل تمثل تهديداً صريحاً لوحدة البلاد، وتشكل جريمة مكتملة الأركان بموجب القانون والدستور، وتستدعي التحقيق العاجل والمساءلة الجنائية لكل من يروج لها أو يدعمها أو يتستر عليها.
وبناء عليه، نطالب النيابة العامة بـ:
1. فتح بلاغ جنائي ضد المدعو علي عسكوري وكل من يثبت تورطه في الترويج لهذه الدعوات التخريبية
2. منعه من السفر فوراً إلى حين استكمال التحقيقات
3. استدعائه للتحقيق بتهمة تهديد السلامة الوطنية، والتحريض على الانفصال، والتخابر الضمني مع جهات أجنبية
4. اتخاذ إجراءات تحفظية بتجميد أصول أو منصات إعلامية أو تنسيقات سياسية تروج لهذا الخطاب التخريبي.
ختاماً، نؤكد أن الوطن ليس ورقة مساومة،
ولا تترك وحدته للمزاج السياسي أو الخيانة المقنعة بلغة المظلومية.
فمن يروج لتقسيم السودان يجب أن يربط بحبال القانون قبل أن يحاكمه التاريخ.
والله ولي التوفيق،
مقدمة البلاغ:
منال علي محمود
مواطنة سودانية – الخرطوم
