منال علي محمود: من شرعية المركز إلى شراكة الواقع – مؤتمر التنمية المستدامة وإعادة تعريف من يملك السودان

127
منال علي محمود

في مشهد يبدو في ظاهره تنموياً وفي باطنه إعادة لترسيم ملامح القوة داخل السودان – جاء مؤتمر التنمية المستدامة ليطرح أسئلة أكبر من مجرد مشروعات وإغاثة (من يمثل السودان فعلاً؟ ومن بات المجتمع الدولي يتحاور معه مباشرة؟)

 

الملاحظ أن بعض مشاريع التنمية – كما ورد في تقارير الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة دولية – يجري تنفيذها في مناطق تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وليس عبر الحكومة المركزية. وبدلاً من التنسيق مع الخرطوم، تتم هذه المشاريع عبر ترتيبات ميدانية تفرضها السيطرة الفعلية على الأرض. هذا الواقع لا يعكس فقط مرونة منظمات الإغاثة، بل يعكس أيضاً تغيراً في النظرة الدولية لطبيعة أطراف النزاع.

 

في نفس التوقيت تقريباً – أُعلن عن (حكومة التأسيس) كبديل سياسي لحكم البرهان. وبينما اعتبرها البعض خطوة رمزية أو استباقية، جاء التزامن مع إعلان مشاريع تنموية في الرقعة الجغرافية الخاضعة لسيطرة قوات الدعم – ليُظهر الأمر كأنه اعتراف غير مباشر بوجود كيان قابل للتعامل معه دولياً. فهل تخطّت الجهات الدولية الحرب المستمرة لتبدأ شراكة واقعية مع من يملكون الأرض ويؤمّنون المشاريع؟

 

المجتمع الدولي – الذي طالما رفع شعار العودة إلى الحكم المدني – بدأ يتحرك ببراغماتية باتجاه من يستطيع تأمين الممرات والموارد لا من يرفع الشعارات. وهكذا، تتحول التنمية إلى أداة ترسيم سياسي – من يملك القدرة على تنفيذ المشروع دون إخلال، يُمنح موقعاً ضمن خريطة القرار، ولو مؤقتاً.

 

الصمت المصري تجاه سيطرة قوات الدعم السريع على المثلث الحدودي الاستراتيجي بدا لافتاً – فبدلاً من بيانات الرفض أو المواجهة، سادت لغة الصمت، وربما التفاوض غير المباشر عبر وسطاء. وكأن مصر باتت تراقب ميزان القوة، في انتظار من يرسو له، لا من يُعلن أولاً.

 

وفي ظل هذا الفراغ الإقليمي – بدأ الشرق يرفع صوته في اتجاه مختلف، يعكس وعياً متقدماً بتغير موازين القوى.

 

الشرق لم يبقَ متفرجاً – برزت فيه مؤخراً أصوات سياسية ومجتمعية ترفض إعادة إنتاج مركزية (دولة النهر والبحر)، وتطالب بشراكة تنموية حقيقية مع المجتمعات المحلية. تصريحات قادة ميدانيين، وبيانات من كيانات شرق السودان، عبّرت بوضوح عن أن أي حديث عن التنمية يجب أن يُبنى مع أصحاب الأرض، لا عبر وكلاء المركز.

 

شراكة الشرق مع أهل الأرض لم تعد مجرد شعار سياسي، بل صارت واقعاً يفرض نفسه على المشهد – في مواجهة أولئك الذين يريدون إعادة إنتاج الخراب باسم الوطن، بينما هم يقسمونه جغرافياً وأخلاقياً كل يوم.

 

أخطر ما في المشهد أن ضيق الأفق السياسي في التعامل مع الحرب – حولها من صراع داخلي مع فصيل متمرد يمكن التفاوض معه، إلى حالة تقترب من نزاع بين كيانين سياسيين. أحدهما يحتفظ بالشكل المؤسسي، والآخر يملك الأرض والموارد والعلاقات ويسعى لتثبيت واقع جديد.

 

العالم – رغم استمراره في استخدام عبارة (حكومة السودان) – صار عملياً يتعامل مع أكثر من جهة. التغاضي عن الجرائم لا يعني نسيانها، لكنه قد يكون تمهيداً للاعتراف بسلطة الأمر الواقع.

 

وفي عالم اليوم – من يملك الطيران، والسلاح، والعلاقات، والأرض، يملك فرصة الظهور كدولة، حتى لو لم تُعلن شرعيته رسمياً.

 

المؤتمرات الدولية التي تُعقد تحت لافتات التنمية المستدامة – لم تعد أدوات إنسانية محايدة. بل تحولت إلى خرائط سياسية تُرسم بتمويل المانحين ولغة ناعمة. فخلف عبارات مثل (التمكين الاقتصادي) و(بناء القدرات) – تكمن رسائل صريحة: (نحن نتعامل مع من يضمن الاستقرار على الأرض، لا من يفترض أن يكون صاحب الشرعية). وهنا، يتحول سؤال (من يملك السودان؟) من مسألة سيادة إلى معادلة فاعلية.

 

غياب حكومة الخرطوم لم يعد مجرد فراغ – بل أصبح شكلاً من الحضور السلبي. العالم لا يُخفي أنه لم يجد في الخرطوم شريكاً فعالاً. بل صار يتجاوزها، ويجري ترتيباته على الأرض مع أطراف أخرى.

 

أما الذين أهدروا أعمار الناس وموارد البلاد – ثم عادوا يتحدثون عن (الشرعية) – فهم آخر من يحق له تمثيل السودان أو التفاوض باسمه.

 

تغوّل القوى الإقليمية وتدويل الأرض السودانية

 

لم تعد الحرب في السودان شأناً داخلياً فقط – بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لتدخلات قوى إقليمية ودولية، كلٌ يسعى لتأمين موطئ قدم في بلد فقد مركزية قراره السياسي والعسكري.

 

تركيا تورطت بعمق – حيث دعمت الطرفين (الدعم السريع والجيش) عبر تزويدهم بطائرات مسيّرة ومعدات عسكرية – وتشير تقديرات غربية إلى أن مجمل الدعم العسكري تجاوز حاجز الـ120 مليون دولار منذ بداية الصراع. في المقابل، وُعدت شركاتها بامتيازات استراتيجية في الموانئ ومناطق التعدين.

 

إيران وروسيا نسجتا شراكات عسكرية وأمنية مع سلطات الأمر الواقع – ظهرت تقارير عن قواعد بحرية مشتركة على ساحل البحر الأحمر، في ظل صمت الخرطوم ومباركة ضمنية، تُجسّدها زيارات رسمية واتفاقيات لم يُكشف عنها بالكامل.

 

الصين وروسيا تلعبان دوراً مزدوجاً – فتحت غطاء التعاون التنموي، يتم تثبيت نفوذ استراتيجي طويل الأمد، خاصة في مشاريع البنية التحتية والطاقة، بينما تُستخدم عضويتهما في مجلس الأمن لتقليل الضغوط على الفاعلين المتورطين في جرائم الحرب – بينما تتردد بعض القوى الخليجية بين التموضع الحذر وتثبيت النفوذ غير المُعلن.

 

الأخطر من كل ذلك هو الحديث المتزايد – غير المنفي من السلطات – عن بيع أراضٍ شاسعة لمستثمرين أجانب، وتسهيل تمليك الرقم الوطني لعناصر مرتزقة، جرى استخدامهم كقوة عسكرية بديلة دون مساءلة قانونية أو سياسية.

 

في نظر العالم – هذا الانفلات لا يُمثّل فقط فوضى إدارية، بل يمثل تآكلاً في مبدأ السيادة الوطنية، وانتهاكاً لمفهوم سلامة الأراضي المعترف به في القانون الدولي. وهكذا، يصبح السودان ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة، في أعين من يتعاملون معه من الخارج.

 

المرجعية القانونية لمفهوم السيادة وسلامة الأراضي

 

تُعد السيادة الوطنية حقاً أصيلاً للدولة – ويُقصد بها قدرتها على ممارسة السلطة الكاملة وغير المنقوصة داخل حدودها المعترف بها دولياً. ويُعتبر فقدان السيطرة على أجزاء من الإقليم، أو السماح لقوى أجنبية بإدارة أو استغلال الأراضي دون تفويض شعبي أو قانوني، انتهاكاً لمبدأ سلامة الأراضي وتآكلاً لسيادة الدولة، وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4)، وقرارات الجمعية العامة بشأن عدم التدخل واحترام وحدة أراضي الدول.

 

 

National sovereignty is the inherent right of a state to exercise full and undivided authority over its internationally recognized territory. The loss of control over parts of its territory, or allowing foreign entities to administer or exploit land without legal or popular mandate, constitutes a violation of the principle of territorial integrity and an erosion of state sovereignty under Article 2(4) of the UN Charter and General Assembly resolutions on non-intervention and respect for the territorial integrity of states.

 

 

[email protected]

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com