منال علي محمود: هناك أصوات لا تسمع!!

165
منال على محمود

منال علي محمود

[email protected]

عندما تتوقف الاتصالات تُسجن الحقيقة

ففي مناطق واسعة من غرب السودان، لم يعد هناك هاتف يرن ولا شبكة انترنت تسمح بنقل الوجع او توثيق ما يحدث. أصوات كاملة جرى اختطافها بين دانات مسمومة واستهداف مباشر، وبين كتائب ردع الكتروني تصنع الضجيج بينما تخنق أي محاولة لقول الحقيقة.

لواء الردع الالكتروني

من اكثر النماذج فجاجة ما أعلنه المدعو وحيد بيومي، حين تفاخر بأنه جهز خمسين ألف حساب الكتروني، وفي الطريق إلى ثلاثمائة ألف. مهمة هذه الكتائب ليست الحوار ولا البحث عن حل، بل إعادة تدوير خطاب الكراهية والدفع باستمرار الحرب، لأن الحرب بالنسبة لهم هي مصدر رزق ووسيلة للابتزاز. السؤال الجوهري هنا، إذا كان بيومي يعلن ذلك على الملأ، فكم من (بيومي) آخر يعمل في الخفاء دون أن يصرح

عتالة الميديا

في كل يوم، يتم توزيع نفس الخبر أو الفيديو على عتالة الميديا، وهم جنود افتراضيون لا عمل لهم سوى التواجد الدائم في المجموعات، يرفعون نفس الرسالة كما يرفع العتال حمولة متكررة, فتجد الخبر ينتشر كالوباء الالكتروني، وتفرض أجندته على النقاش العام بكثافة النشر لا بقوة المضمون. النتيجة، رأي عام مزيف يصنع على أعين من يريدون الحرب، بينما الحقيقة تدفن تحت ظل التكرار, قوم النون، طوال الأسبوع مرابطون، شاتمون، لاعنون، مفلسون، بدعم الجيش يتدثرون، للبوت لاعقون وللقوى المدنية كارهون.

قبيلة ضد قبيلة

كل ما ينشر من هذه الغرف لا بد أن تتصدر القبيلة عنوانه في أغلب الحالات، (اختلاف القبيلة A مع القبيلة B)، (تصريح أحد منسوبي القبيلة C يشتم أفراد القبيلة D). كل ما يفرق ويجزي نار الفتنة ينقل ويعاد تدويره بلا كلل. حتى في دعم الحرب، تساق الأخبار على ذات النسق، (القبيلة X تبرعت بالمال)، (القبيلة Z أرسلت متحركاً للقتال). لن ترى السودان، ولا القومية، ولا حتى الأقاليم في أقل تقدير، في هذا النقل البائس، بل ستجد تفتيتا مقصودا للمشهد العام ليبقى الوعي محصورا في مربعات الدم والانتماء الضيق.

ما وراء ضجيج الحرب

وبينما تستهلك المنصات في إعادة تدوير صراع دموي، هناك أوبئة وأزمات تفتك بالسودانيين ولا تجد من يذكرها. حمى الضنك تحصد الأرواح بصمت، الكوليرا تنتشر في الخرطوم وأطرافها، الأدوية شحيحة، والمياه ملوثة. لكن لا أحد يتحدث عن ذلك. لن يذكر في (الترند) أن الأطفال يموتون في المستشفيات بلا محاليل، لكن خبر طرد المذيعة لينا يعقوب يتصدر الصفحات ويعاد تداوله آلاف المرات. هكذا يدار الوعي، المهمش يبقى مهمشا، حتى وهو يحتضر. فالحرب لا تقتل بالسلاح وحده، بل بترك الناس فريسة للوباء والجوع والحرمان.

السؤال المفتوح

الرأي العام في السودان يتشكل اليوم عبر منصات مشبوهة، تقوده جيوش افتراضية تمول وتدار من الخارج، بينما من هم في الداخل، المتأثرون مباشرة بالحرب، المرض، النزوح، فقدان الخدمات، أصواتهم مسجونة بلا منفذ. هل يعقل ألا يجد السودانيون منصة واحدة حقيقية تتيح لهم إبداء رأيهم الداعم للسلام؟ هل يعقل أن تصادر أصوات المطحونين بينما تضخم أصوات صانعي الحرب؟

خاتمة

لقد تجاوز السودانيون مرحلة الخوف، لكن معركة الوعي ما زالت تدار بوسائل غير نزيهة. إن كشف حقيقة (بيومي) وأمثاله ليس ترفا، بل واجب، لأنه يفضح كيف يختطف الرأي العام لصالح أقلية مستفيدة من استمرار النار، وما لم تسمع الأصوات المخنوقة الآن، سيظل الخارج يقرأ السودان بعيون كتائب الكترونية، لا بعيون مواطنيه الحقيقيين.

وإن لم يجد السودانيون نافذة لأصواتهم، فعلى العالم أن يفتحها، لا ليكرر ضجيج الحرب، بل ليصغي إلى نداء السلام.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com