نجم الدين دريسه: تأسيس .. ميلاد الوطن من ركام النخب وخراب المركز
نجم الدين دريسه
وسط تطلعات واسعة وآمال معلّقة، تترقب قطاعات عريضة من أبناء الهامش إعلان حكومة “تأسيس” خلال الساعات القادمة. حدث كهذا لن يكون عابرًا؛ بل يمثل لحظة مفصلية في تاريخ بلد أنهكته الدولة المركزية لعقود طويلة. دولة احتكرت العنف ومارست التهميش المنهجي، وأورثت الشعوب في الأطراف والريف ألوانًا من القمع والإذلال، طيلة سبعين عامًا من حكم النخبة الغنائمية.
هذه النخب اختطفت الدولة ومؤسساتها، مدنية كانت أو عسكرية، وجيّرتها بالكامل لخدمة فئات ضيقة استأثرت بكل شيء: السلطة، والثروة، وحق اتخاذ القرار. ولم تتردد في التحالف مع الخارج، وتحديدًا مع مصر الرسمية، تحت ذريعة “الأمن القومي”، لتتحول الدولة إلى تابع ذليل، والجيش إلى أداة لتنفيذ أجندات لا تمت لمصالح الشعب بصلة.
الدولة الموروثة عن الاستعمار لم تنتج سوى الحروب والتهميش والانقسامات. كل حركة احتجاج—سواء سلمية أو مسلّحة—قوبلت بعنف مفرط، وأُتبعت بحملات تشويه ممنهجة، تُشيطن الثوار وتصفهم بالتمرد. النتيجة: أنهار من الدماء، مجازر، انتهاكات، وانهيار في البناء القومي، وتهتك في نسيج المجتمع، وصعود لخطاب الكراهية والعنصرية.
اليوم، تفتح “تأسيس” نافذة للخروج من هذا النفق. مشروع للتحرر من الظلم المتراكم، وفرصة حقيقية لأصحاب المصلحة من شعوب السودان لإعادة تشكيل الدولة على أسس جديدة: دولة مواطنة لا تميز بين أبنائها، دولة تحتكم إلى الديمقراطية، الفيدرالية، والعلمانية، وتؤمن بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
لقد حان وقت القطع مع الماضي. وقت بناء وطن يعكس التنوع والتعدد، وطن يطلق طاقات الإنسان ويستثمر موارده لمصلحة شعوبه. صحيح أن التحديات جسيمة، لكن الإرادة السياسية موجودة، والتحالف المؤسس يملك الرؤية والقدرة.
ما نحتاجه اليوم هو مشروع وطني شامل يعزز المشاركة الشعبية، يعيد الثقة للمجتمع، ويحيي الاقتصاد بالإنتاجية لا بالاستجداء. هذه ليست مجرد حكومة جديدة، بل بداية وطن جديد، يُبنى على أنقاض دولة النخبة، وطن يقوم على حقوق الإنسان، السلام العادل، والتنمية المتوازنة.
“تأسيس” ليس مجرد اسم… بل إعلان ميلاد دولة الشعب.
