وعاظ الحرب: حين تحوّل الدين إلى سلاح دمار شامل في الفضاء الرقمي السوداني
تحقيق: وكالات – بلو نيوز الإخبارية
منذ اندلاع شرارة الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لم تعد المعارك محصورة في ميادين القتال التقليدية، بل امتدت لتشتعل على ساحة رقمية لا تقل ضراوة، يقودها وعاظ ومنظرو الحرب ممن يحوّلون النصوص المقدسة إلى ذخيرة في معركة الكراهية، والفضاء الرقمي الذي أصبح المصدر الأول للأخبار لأكثر من 60% من السودانيين، تحول إلى منصة تعبئة دينية مشحونة بالعنف، حيث تسللت رسائل الكراهية تحت عباءة “الجهاد” و”الشهادة”، بينما الحقيقة تُدفن بين التغريدات.
من “الجهاد الإلكتروني” إلى الجدل اللاهوتي المُوجّه
لم تكن هذه الحرب الدعائية وليدة الصدفة، بل تعود جذورها إلى عام 2011، حين أنشأ جهاز الأمن السوداني وحدة “الجهاد الإلكتروني” التي سرعان ما تحوّلت إلى أداة تضليل ممنهجة، وُثّق نشاطها عبر آلاف المنشورات الزائفة التي استهدفت الحركات الاحتجاجية منذ سبتمبر 2013. ومع ثورة ديسمبر، استعاد الشباب السوداني الفضاء الرقمي لبعض الوقت، لكنه سرعان ما سقط مجددًا في قبضة الخطاب الإسلاموي المُعبأ، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
القداسة المغتصبة: حين تُحرف النصوص لخدمة الجنرالات
في مشهد عبثي، صار الدين وسيلة لتبرير العنف الدموي. عبر خطب الجمعة ومنصات السوشيال ميديا، ارتفع صوت فقهاء الحرب الذين “انتقوا” الآيات والأحاديث لتُطابق توجهات طرف بعينه، حيث صُوّر الخصوم كـ”بغاة”، بينما سُميّ المقاتلون “شهداء”. حسب مبادرة “محامون من أجل العدالة”، أكثر من 70 خطبة جمعة خلال الأشهر الأولى من الحرب تضمنت تحريضًا صريحًا لصالح الجيش. كما استخدم حديث نبوي عن “الاستشهاد دون الدين” أكثر من 12,000 مرة على فيسبوك في شهر مايو 2023 فقط، وفق رصد CrowdTangle.
فتاوى بلا سند .. ومواقع تستدعي “الشيطان الأكبر”
في قنوات تليجرام، رُوّجت آلاف الفتاوى مجهولة المصدر تحرض على قتال “العدو الكافر” وتصوّر الحرب كمعركة ضد “الصهاينة والعلمانيين والملحدين”. وثّقت وحدة تحليل بجامعة الخرطوم أكثر من 2300 فتوى تحريضية في نحو 150 قناة تليجرام. ويكشف تحليل منظمة NetBlocks أن 48% من المحتوى السياسي في السودان بات مشبعًا بالإيحاءات الدينية خلال مارس 2024، في تصعيد متزامن مع اشتداد المعارك.
الخصم خائن .. ومُتحالف مع الكنيسة الإنجيلية!
بينما تنتهك المساجد وتفبرك مقاطع الفيديو، انتشرت شائعات مفادها أن الدعم السريع يتلقى دعمًا من الكنيسة الإنجيلية، خاصة في مناطق مثل النيل الأبيض وسنار. مبادرة مكافحة خطاب الكراهية رصدت أكثر من 20 ألف مشاركة لهذا النوع من المنشورات الطائفية خلال أسبوع واحد. وفي دارفور، امتزج الدين بالعنصرية، فنُشرت خريطة مفبركة تُشيطن قبائل دارفور بوصفهم “أحفاد اليهود”، في تكرار مقيت لسرديات تسببت بمجازر مروعة في الماضي القريب.
الخوارزميات تهلل: “هاشتاقات الجهاد” ورايات الدم
تحقيق DFR Lab أظهر نشاط 800 حساب وهمي على منصة X (تويتر سابقًا) تروج لهشتاقات مثل #الجهاد_ضد_البغاة، تُدار من دول أجنبية مثل تركيا وسوريا، ومرتبطة بتنظيمات جهادية دولية، وهذه الحسابات تنشر أكثر من 50 ألف تغريدة أسبوعيًا، تخترق وعي مئات الآلاف من السودانيين، وتحوّل المنصات إلى ساحات تجنيد مفتوحة.
تجنيد القُصّر.. وعد بالشهادة ومقاطع تُبكي العقول
الأخطر من كل ما سبق، أن الدعاية الرقمية لم تكتفِ بالتأثير اللفظي، بل أصبحت وسيلة فعالة لتجنيد الأطفال والمراهقين. تقارير من معسكرات شرق النيل تُشير إلى تجنيد أكثر من 200 قاصر خلال الربع الأول من 2024، استنادًا إلى مقاطع فيديو عاطفية تُبشّرهم بالجنة. أحد هذه المقاطع أظهر واعظًا عسكريًا يُعلن للشباب: “أنتم طليعة جيش الله المختار!”، حصد أكثر من 45 ألف مشاهدة في يومين فقط.
سلام مستحيل في ظل “القداسة المسمومة”
النتيجة كارثية: سلامٌ مستبعد، وعقول مُسعّرة بالحرب. بيانات مركز الخاتم للسلام تُظهر تراجعًا بنسبة 25% في دعم الحل السلمي. 62% من سكان الخرطوم يعتبرون التفاوض خيانة، بسبب تأثير الدعاية الدينية الرقمية. أما في ولاية الجزيرة، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 70%.
خاتمة: حين تُستباح النصوص.. يُسفك الدم بلا حساب
لم يعد الخطاب الديني مجرد رأي، بل بات آلة حربية رقمية تعبئ وتجند وتدمّر، والسودانيون العالقون بين سطوة الجنرالات ووعاظ الجهاد الرقمي، يدفعون الثمن مضاعفًا: حرب لا تنتهي، وسلام مستحيل، وإيمان يغتال على أيدي من يدعون حمايته.
نقلا عن وكالة راينو
