بين العنوسة والزواج القسري: نساء مسنات يتحدين الزمن في غرب أفريقيا
وكالات – بلو نيوز الاخبارية
في ريف بنين، وأزقة لومي، وقرى توغو، وأسواق سيراليون، تتناثر حكايات نساء مسنات عشن أعمارًا أطول من المتوقع، وتجاوزن القوالب التقليدية التي حاصرتهن منذ الصغر. بين من لم يعرفن الزواج قط، ومن تزوجن قبل أن يولدن، ترتسم ملامح نساء واجهن الحياة بصلابة، رغم القيود الثقافية والاجتماعية التي رافقتهن في كل خطوة.
في غرب أفريقيا، حيث يقدَّر متوسط عمر النساء بحوالي 59 عامًا – وهو الأدنى عالميًا – تقف مجموعة من النساء ممن تجاوزن الستين عامًا، متحديات هذا المتوسط، حاملات على كاهلهن تجارب مذهلة قلما تُروى.
مشروع توثيقي فريد من نوعه
ضمن مشروع بحثي وإنساني نادر، قررت الكاتبة والباحثة سيليفيا آرثر أن تعيد الاعتبار لتجارب هؤلاء النسوة المنسيات. أجرت أكثر من 100 مقابلة شخصية مع نساء تجاوزن الستين في بنين، توغو، غامبيا، وسيراليون، باحثةً في تفاصيل حياتهن، وكيف أحببن، وعشن، وتكيفن مع أقدار لم يكن لهن رأي فيها في أغلب الأحيان.
القاسم المشترك بين تلك النساء هو التمرّد الصامت على الصورة النمطية للمرأة المسنّة. فهن لسن مجرد “ذكريات زمن قديم”، بل فاعلات في المجتمع، أمهات، معلمات، تاجرّات، قابلات، مزارعات، وحتى رائدات أعمال محليات، تم تجاهلهن على نطاق واسع رغم الأدوار الحاسمة التي لعبنها في صمود العائلات والمجتمعات.
ماري تيريز.. القابلة التي ولّدت 5000 طفل دون أن تلد
في قرية صغيرة بدولة بنين، تقطن ماري تيريز، قابلة مخضرمة تبلغ من العمر 70 عامًا، أفنت 18 سنة من عمرها في خدمة النساء والمواليد. ورغم أنها لم تتزوج قط ولم تنجب، إلا أنها ساعدت في ولادة نحو خمسة آلاف طفل.
كانت تقول دائمًا: “لم أشعر يومًا أنني بحاجة لأطفال من صلبي، فلي أخ وأخت وأحفاد من العائلة، وهم عائلتي الكبيرة”. بعد التقاعد، لم تركن ماري تيريز إلى الهامش، بل عادت إلى قريتها لتقود طقوس الزواج التقليدي، وتُمنح مكانة اجتماعية مميزة تُخوّل لها قيادة العائلات. امرأة لم تتزوج، لكنها أصبحت مرجعًا في مؤسسة الزواج.
تشيتيكي.. زُوّجت وهي جنين
في شمال توغو، ولدت ميونييسو تشيتيكي في مجتمع فلاحي محافظ، وكانت قد زوّجت وهي لا تزال جنينًا في رحم أمها، وفق عرف قديم يقضي بتزويج الطفلة قبل ولادتها مقابل مهر سنوي من الحبوب.
كبرت تشيتيكي، ووجدت نفسها حبيسة صفقة لم تشارك في صياغتها. تقول: “لم أرغب في ذلك الزواج، لكنني لم أستطع الرفض حتى لا أجلب العار لعائلتي”. واليوم، وبعد مرور ستين عامًا، تعيش في العاصمة لومي، أماً لخمسة أبناء من نفس الرجل الذي دُفع مهره قبل أن تراها الدنيا. لكنها الآن تقف بحزم لتقول: “لن أكرر هذه التجربة مع بناتي. ما حدث لي كان ظلمًا يجب ألا يُعاد”.
سيلا بيكيلي.. الحياة على خطى الأجداد
من سيراليون، تطل علينا قصة سيلا بيكيلي، البالغة من العمر 73 عامًا، والتي وُلدت في غانا لأم نيجيرية وأب غاني، وتعيش اليوم على أرض ورثتها من عائلتها في سيراليون.
عائلة بيكيلي كانت تشتهر ببئر مياه نقية كانت تخدم أجيالًا، إلى أن دُمّر البئر خلال الحرب الأهلية التي اجتاحت البلاد بين 1991 و2002. لكن سيلا، وفاءً لأسلافها، أعادت ترميم البئر وإنعاش دوره الحيوي في خدمة السكان. الآن تدير متجرًا بسيطًا بمعية ابنتها الأربعينية، وتحلم بإعادة بناء البيت القديم لعائلتها، بيت الذكريات والانتماء.
ذاكرة جماعية غُيبت طويلًا
تظهر هذه القصص أن النساء المسنات في غرب أفريقيا لسن ضحايا فحسب، بل ناجيات ومؤثرات، رغم الغبن التاريخي الذي جعل من أعمارهن المتقدمة مبررًا للإقصاء أو الشفقة. لقد تحدين الزمن والقيود والنسيان، ليُثبتن أن الكرامة لا تقاس بالعمر، وأن الصمت لا يعني الغياب.
وفي ظل التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها القارة، يبدو أن توثيق تجارب هؤلاء النسوة هو أكثر من مجرد تأريخ لحياة شخصية، بل هو استعادة لذاكرة نسوية أصيلة تمثل جزءًا من التاريخ غير المكتوب للمجتمعات الأفريقية.
